هبة زووم – بني ملال
بينما يواصل رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزراؤه الترويج لنجاعة برامج التشغيل و”نجاحها” في امتصاص البطالة، خرج صوت من داخل الفريق الحكومي نفسه ليقلب الرواية الرسمية رأسًا على عقب، ويضع سياسة التشغيل أمام امتحان المصداقية.
فمن قلب جامعة عمومية، وأمام طلبة وباحثين، أقرّ كاتب الدولة المكلف بالتشغيل، هشام الصابري، بشكل صريح بأن البرامج المعتمدة حاليًا فاشلة ولا تخلق فرص شغل حقيقية، في اعتراف نادر يكشف عمق التناقض داخل الخطاب الحكومي.
جاء ذلك خلال “ماستر كلاس” علمية نظّمتها كلية الاقتصاد والتدبير ببني ملال، التابعة لجامعة السلطان مولاي سليمان، يوم الجمعة، حول “مهن المستقبل: الرهانات، الكفاءات والآفاق المهنية”، بشراكة مع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات.
وأمام حضور أكاديمي وطلابي وازن، قدّم الصابري عرضًا تفاعليًا حول تحولات سوق الشغل، قبل أن ينتقل إلى تفكيك برامج حكومية تشكّل العمود الفقري لخطاب التشغيل الرسمي، وعلى رأسها برنامجا “أوراش” و“تدرج”.
ولم يلفّ كاتب الدولة كلامه بالدبلوماسية المعتادة، بل قالها بوضوح: برامج “أوراش” و“تدرج” لا تُفضي إلى إدماج مهني مستدام، وتقوم على منطق حلول مؤقتة، لا على سياسات عمومية قادرة على خلق مناصب شغل حقيقية.
وانتقد الصابري ما وصفه بثقافة “إحداث جمعيات ومنح دعم مالي محدود مقابل أنشطة ظرفية”، معتبراً أن هذا الأسلوب لا يحرك الاقتصاد ولا يوفر كرامة الشغل، بل يكرّس الهشاشة ويؤجل الانفجار الاجتماعي بدل معالجته.
الأكثر دلالة في مداخلة الصابري هو توصيفه الصريح لهذه البرامج بأنها مجرد آليات لـ”نسكتو بيها فئة”، تنتهي – في أفضل الحالات – بتسجيل المستفيدين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، دون أي ضمان لاستمرارية الشغل أو الاستقرار المهني.
وهو توصيف ينسف، عمليًا، الخطاب الحكومي الذي ما فتئ يقدّم هذه البرامج كإنجازات كبرى في مجال التشغيل، رغم أن أرقام البطالة، خصوصًا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، تواصل الارتفاع وتكذّب هذا الخطاب.
وفي نقده لبنية السياسات المعتمدة، شدد الصابري على أن ما يُنفذ حاليًا ليس برامج تشغيل بقدر ما هو برامج تكوين، مستشهدًا بدور الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك) التي تحولت، بحسبه، إلى فاعل تكويني أكثر منها وسيطًا حقيقيًا لإدماج الشباب في سوق الشغل.
ودعا المسؤول الحكومي إلى إعادة توزيع الأدوار بوضوح، بحيث تركز وزارة التشغيل على إحداث فرص الشغل، بينما يبقى التكوين من اختصاص قطاعات التعليم العالي والتكوين المهني، محذرًا من استمرار هذا الخلط الذي يبدد الموارد ويضعف النجاعة.
وفي معرض حديثه عن كلفة هذه البرامج، كشف الصابري أن الدولة تنفق أزيد من 8000 درهم عن كل مستفيد لفائدة “أنابيك”، ونحو 5000 درهم في برامج من قبيل “تدرج”، معتبراً أن تجميع هذه الموارد كان سيتيح تكوينًا ذا جودة أعلى وإخراج كفاءات حقيقية تستجيب لحاجيات الاقتصاد الوطني بدل هدر المال العام في برامج بلا أثر.
تصريحات كاتب الدولة المكلف بالتشغيل لا تطرح فقط سؤال فشل البرامج، بل تفضح تناقضًا صارخًا داخل الحكومة نفسها: فبينما يصرّ رئيس الحكومة على تسويق “نجاح” سياسات التشغيل، يعترف أحد مسؤوليها المركزيين، وبالأرقام والتوصيفات، بأن هذه السياسات لم تصل بعد إلى التشغيل الفعلي، وأنها تحتاج إلى مراجعة شاملة.
ما قاله هشام الصابري ليس مجرد رأي عابر، بل شهادة من داخل الجهاز التنفيذي، تُعيد النقاش حول التشغيل إلى نقطة الصفر.
فإذا كانت الحكومة تعترف، عبر أحد أعضائها، بأن برامجها “فاشلة”، فمن يتحمل مسؤولية استمرارها؟ ومن يفسّر للمغاربة كيف يمكن لحكومة أن تحتفي ببرامج يشهد أحد مسؤوليها بعدم جدواها؟
تعليقات الزوار