تازة: حين يتحول الرصيف إلى دولة في عهد العامل بنشيخي

هبة زووم – تازة
في تازة، أو لِنقل بصراحة أكثر “تازة المتساهلة حدّ الانفجار”، لم يعد الرصيف فضاءً عموميًا كما تنص عليه القوانين والدفاتر التنظيمية، بل صار كيانًا قائمًا بذاته، جمهورية غير معترف بها دستوريًا، لكنها مُعترف بها ميدانيًا، لها أعرافها، اقتصادها، ونظامها التنفيذي الذي لا يحتاج إلى بلاغات ولا قرارات عاملية.
منذ تعيين العامل بنشيخي، بدا وكأن الرصيف قد تحرر نهائيًا من أي سلطة تنظيمية، وأُعلن استقلاله عن الدولة. لم يعد ممرًا للمشاة، بل مساحة متعددة الوظائف: سوق، مطبخ، غرفة نوم، مقهى، ومستودع نفايات مفتوح… كل ذلك دون أن يرف له جفن أو تُحرَّك حملة ذات معنى.
إن حاولت استعمال الرصيف بوظيفته الأصلية – أي المشي – فأنت تدخل مغامرة غير محسوبة العواقب، فإما أن تتسلل بين صناديق الخضر، أو تقفز فوق كراسٍ بلاستيكية، أو تفاوض صاحب المقهى على حقك في نصف متر من الملك العمومي.
أما إن كنت ضعيف الحظ، فستجد نفسك وجهاً لوجه مع عربة شواء تشتغل على الفحم في غياب تام لشروط السلامة الصحية، تدخِّن الحي قبل أن تطهو الكفتة.
في تازة، لم يعد احتلال الملك العمومي خرقًا، بل نمط تدبير غير معلن. لا أحد يمنع، ولا أحد ينظم، ولا أحد يشرح للساكنة لماذا اختفت الحملات، ولماذا صار “التغاضي” هو السياسة الوحيدة الثابتة، فالفوضى هنا لا تبدو عفوية، بل مؤطرة بالصمت، والصمت في التدبير ليس حيادًا، بل اختيار.
الأدهى أن هذه الفوضى لا تُقدَّم باعتبارها خللاً، بل تُسوَّق أحيانًا كـ”تسامح اجتماعي” أو “تفهم للظروف الاقتصادية”، وكأن حماية حق المشاة في السير الآمن ترفٌ برجوازي، وكأن احترام القانون قسوة غير إنسانية، هكذا تُختزل الدولة في دور المتفرج، وتُترك المدينة تتآكل على مهل.
نحن لا نطالب بمعجزات عمرانية، ولا بمشاريع ضخمة، ولا بجسور معلّقة ولا مراكز تسوق لامعة. نطالب فقط بحق بسيط جدًا: أن نمشي.
أن نمشي دون أن نعتذر لصاحب مقهى، أو نراوغ عربة، أو نخشى زجاجة مكسورة.
أن نمشي لأن الرصيف، في كل دول العالم، وحتّى في أبسط تعريفات الدولة، ملكٌ عمومي لا غنيمة يومية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد