اليحياوي يعرّي نفاق القانون الدولي: العدالة تُطبَّق فقط على الضعفاء

هبة زووم – الرباط
في تدوينة تلامس الجرح الإنساني والسياسي في آن واحد، خرج الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي عن صمته، ليس هذه المرة بخصوص الشأن الوطني، بل وهو يوجّه سهامه نحو جوهر النظام الدولي، كاشفًا ما يعتبره زيفًا بنيويًا في ما يُسمّى “القانون الدولي”، الذي لا يُفعَّل إلا حين يكون المتهم ضعيفًا، ولا يُعطَّل إلا حين يكون الجاني محميًا بالقوة.
انطلق اليحياوي من واقعة تبدو، في ظاهرها، تقنية، لكنها في عمقها سياسية وأخلاقية من العيار الثقيل: طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تعبر المجال الجوي لثلاث دول أوروبية — اليونان، إيطاليا، وفرنسا — وكلها دول موقعة على نظام المحكمة الجنائية الدولية، المحكمة نفسها التي صنّفت نتنياهو مجرم حرب وأصدرت في حقه مذكرة توقيف منذ أكثر من سنة.
السؤال الذي يفرض نفسه، كما يلمّح اليحياوي بمرارة: إذا كانت هذه الدول تحترم “القانون الدولي”، فلماذا لم يُعتقل نتنياهو؟ ولماذا تحوّلت مذكرة التوقيف إلى مجرد ورقة بلا أثر؟
جواب اليحياوي صادم في بساطته وقسوته: ليس لأنها متواطئة بالضرورة، بل لأنها خائفة.
خائفة من نتنياهو؟ أكثر من ذلك: خائفة من غضب الولايات المتحدة الأميركية، الحامي السياسي والعسكري لإسرائيل، والمبرّر الدائم لكل ما ترتكبه في غزة والمنطقة، بل – كما يسخر اليحياوي – “وفي العالم أجمع”.
هنا، لا يعود الحديث عن قانون دولي، بل عن ميزان قوة. عن نظام عالمي لا يحكمه الحق، بل تحكمه الحماية، ولا تُنفّذ فيه العدالة إلا على من لا سند له، أما من يمتلك الغطاء الأميركي، فبإمكانه عبور الأجواء، وتجاهل القرارات، والدوس على المواثيق، دون أن يُسأل أو يُحاسب.
تدوينة اليحياوي لا تهاجم إسرائيل وحدها، بل تفضح ازدواجية المعايير الغربية، حيث تتحول القيم الكونية — حقوق الإنسان، القانون الدولي، العدالة — إلى أدوات انتقائية، تُرفع في وجه الخصوم، وتُخفى عندما يتعلق الأمر بالحلفاء.
وفي جملة قاطعة، يختصر اليحياوي هذا العبث الأخلاقي بقوله: “من يثق في إسرائيل وفي الأميركيين، فهو إما جاهل أو مكابر أو بائع وهم”.
هي ليست شتيمة، بل خلاصة تجربة سياسية طويلة، ترى كيف يُذبح المدنيون في غزة، وكيف تُدمَّر المدن، وكيف يُجفَّف الحق الفلسطيني، بينما يقف “العالم الحر” شاهد زور، أو شريك صامت، أو داعم صريح.
تدوينة اليحياوي تضعنا أمام حقيقة مُرّة: المحكمة الجنائية الدولية قوية فقط عندما يكون المتهم إفريقيًا، أو دولة معزولة، أو نظامًا بلا حلفاء، أما عندما يكون المتهم حليفًا لواشنطن، فالقانون يتحول إلى نص بلا روح، والعدالة إلى شعار للاستهلاك الإعلامي.
إن ما يحدث اليوم لا ينسف فقط مصداقية المحكمة الجنائية الدولية، بل يهزّ أسس النظام الدولي برمته، ويكرّس قناعة خطيرة لدى شعوب الجنوب: أن العدالة الدولية ليست حقًا، بل امتيازًا… وأن القانون لا يحمي الضعفاء، بل يُستعمل ضدهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد