هبة زووم – أبو العلا العطاوي
لم تعد الرشيدية مدينة قادرة على ترف الانتظار، ولا على تصديق الأساطير الرسمية التي تُروى عن “الإصلاح التدريجي” و”المرحلة الانتقالية” و”الاختلالات المعزولة”.
فساكنة المدينة، التي أنهكها التهميش وابتلاع المال العام، لم تعد تطالب بالمستحيل، بل بشيء بسيط حدّ السذاجة: أن يُعامل المال العام كمال عمومي، لا كإرث عائلي يُتصرّف فيه بمنطق “بحالا ديال باها”.
الفساد في الرشيدية لم يعد شبهة، ولا همس مقاهي، ولا اتهامًا شعبويًا عابرًا، لقد صار نمط تدبير، وعلامة مسجلة تُرفق بكل مشروع، وتوقيعًا غير معلن أسفل كل صفقة، وكل ميزانية، وكل “برنامج تنموي” يُسوّق إعلاميًا ثم يختفي أثره على الأرض.
مشاريع تُنجز.. لتُخرب من جديد
في الرشيدية، الطريق التي تُعبد اليوم تُحفر غدًا، ليس بسبب زلزال أو فيضان، بل لأن منطق التدبير يقوم على التكرار لا الجودة، وعلى الصرف لا الأثر، وشارع مولاي علي الشريف لوحده يجمع كل الحكاية، ففي ثلاث مرات يعاد تأهيله ليعاد تخريبه مع كل مجلس ينتخب.
الحديقة التي تُنجز في إطار مخطط تتحول بسرعة إلى أرض مهملة، والميزانية التي تُرصد باسم التنمية، تستقر في حسابات لا علاقة لها بالمدينة، ثم تُبرَّر العملية بـ”خطأ إداري غير مقصود”، وكأن الأمر يتعلق بسهو محاسبي، لا بعبث منظم.
الأكثر إثارة للسخرية – والألم – أن الخطاب الرسمي لا يزال يصرّ على الحديث عن “إصلاحات هيكلية”، وكأن الرشيدية تعيش فصلاً من مسلسل خيالي طويل، ينتظر فيه الشرّ بطلًا أسطوريًا ليهزمه، بينما الواقع يقول إن الشرّ هنا يدير الاجتماعات، ويوقّع الاتفاقيات، ويبتسم للكاميرات.
مدينة تغيّر وجهها.. لا بفعل التنمية
لم تعد الرشيدية تلك المدينة الهادئة التي كانت تُبهر زوارها بألوانها، وأسواقها، وروائح التوابل، وبساطة العيش فيها، اليوم، تبدو أقرب إلى فرن مشتعل في وجه أباطرة المال العام، وساحة مواجهة مفتوحة بين غضب شعبي متراكم، ومنظومة تعتقد أن الصمت سيستمر إلى الأبد.
خرج الناس إلى الشارع مع احتجاجات “جيل زد”، لا بدافع الفوضى، بل بدافع الاختناق، خرجوا وهم يعضّون على خيبة أمل مزمنة، صارخين بعبارات تختصر كل شيء: “كفى! واش حتى الزفت بغيتو تسرقوه؟”، وهو سؤال بسيط في لغته، لكنه خطير في دلالته، لأنه يكشف أن الثقة بين المواطن والمؤسسات بلغت أدنى مستوياتها.
من حفاة الإدارات والجماعات إلى أباطرة الصفقات
الحديث عن الفساد لم يعد يدور حول أسماء غامضة أو شبكات غير مرئية. في الرشيدية، يعرف الجميع من أين دخل بعضهم، وكيف خرجوا. دخلوا الإدارات وإلى الجماعات حفاة، بلا تاريخ اقتصادي، ولا مشاريع، ولا رأس مال، وخرجوا بعد سنوات قليلة أصحاب شركات، ومستفيدين من الصفقات، وحائزين على الإعفاءات، ومالكي العقارات.
لا معجزة هنا، ولا ذكاء خارق، فقط معرفة “كلمة السر”، وترديد العبارة السحرية: “باركا من الشوشرة.. راني ولد البلاد”.
غضب بلا قادة.. لكنه خطير
ما يميّز الوضع في الرشيدية اليوم، أن الغضب لا تقوده جهة سياسية، ولا يؤطره حزب، ولا يستثمره فاعل انتخابي. إنه غضب أفقي، صامت أحيانًا، وصاخب حينًا آخر، لكنه غامض وخطير، لأنه نابع من إحساس عميق بالظلم، وبأن القانون يُطبّق بانتقائية، وأن الفاسد لا يُسأل ما دام اسمه “محميًا”، أو موقعه “حساسًا”.
الناس لا يطالبون بتعجيز الدولة، ولا بإسقاط المؤسسات، بل فقط بأن يُحاكم الفاسد، ولو كان اسمه يبدأ بـ”أ” أو “ع” أو “ر”، وأن تتوقف سياسة غضّ الطرف، لأن التغاضي اليوم هو انفجار الغد.
الخلاصة: المدينة تحاكم.. فهل من يسمع؟
الرشيدية اليوم لا تطلب خطابات جديدة، ولا وعودًا موسمية، ولا لجانًا شكلية، تطلب فعلًا واحدًا: ربط المسؤولية بالمحاسبة، دون انتقائية، ودون تدرج مريح للفاسدين.
فالمدينة التي قاومت يومًا بالصوف والطين والحناء، تقاوم اليوم بالكلمة والشارع والذاكرة الجماعية، وتقول بوضوح: لقد فاضت الطنجرة، واحترق اللحم، وما بقي سوى دخان الغبن وسوء التدبير.
تعليقات الزوار