هبة زووم – الحاجب
في مدينة الحاجب، حيث الوجوه معروفة والوقائع مكشوفة، لم تعد الانتهازية سلوكًا معزولًا أو هامشيًا، بل تحولت إلى نمط اشتغال يجد في الصمت الرسمي والتدبير المرتبك بيئة مثالية للازدهار.
الجميع يعرف من يغيّر خطابه حسب اتجاه الريح، ومن يتلون وفق ميزان القوة، ومن ينافق الجميع حفاظًا على موقع أو امتياز، ومع ذلك تستمر اللعبة وكأن المدينة ألفت الزيف حتى فقدت القدرة على استنكاره.
في عهد العامل المريني، لم يعد الفشل مجرد تعثر إداري، بل أصبح سياسة غير معلنة، تُدار عبر ترك الأمور على حالها، وفتح المجال أمام شبكات الانتهازية لتعيد ترتيب مواقعها داخل المشهد المحلي، دون حسيب أو رقيب.
معركة القيم في هذا السياق لم تعد تحتمل المنطقة الرمادية: إما موقف واضح، أو تورط صامت، فكل من يلوذ بالصمت وهو يشاهد العبث والانحراف، إنما يوقّع، ولو مؤجلًا، على مشاركته فيما يجري.
المدينة اليوم تواجه فئة واسعة تدين بالولاء للانتهازية، تحملها بلا خجل كما تُحمل الشارات، وتعرضها في الخطاب والسلوك والممارسة اليومية.
هؤلاء لا يختبئون في الظل، بل يحتلون مواقع القرار داخل مؤسسات منتخبة، وأحزاب، وجمعيات، وإدارات، في فضاءات كان يُفترض أن تحمي الصالح العام وتصون القيم، لا أن تفرغها من معناها.
تتعدد الوجوه وتختلف الأزياء، لكن الجوهر واحد: مواقف تُباع عند أول اختبار، ومبادئ تُستبدل بحسابات ضيقة، في مشهد يعكس تراجعًا خطيرًا لمنسوب الأخلاق السياسية والإدارية في المدينة.
غير أن الخطر الأكبر في هذا السياق لا يأتي دائمًا من الانتهازي المعلن، بل من ذلك الصامت الذي يراقب من بعيد، صمت لا تحكمه أخلاق راسخة، بل انتظار اللحظة المناسبة للدخول في الصفقة، يقف على الهامش، يحسب المكاسب، ويؤجل الانخراط إلى حين، متذرعًا بالحياد والعقلانية وتفادي الصدام.
يمتلك هذا الصنف بقايا من ضمير، لكنها لا تصمد طويلًا أمام إغراء القرب من دوائر القرار، يساير، يبتسم، ويمنح الانحراف غطاء الصمت، وكأن القيم مسألة قابلة للتفاوض، لا خطوطًا حمراء يفترض أن تحكم الفعل العمومي.
إن استمرار هذا الوضع، في ظل غياب إشارات حازمة من السلطة الإقليمية، يكرّس الإحساس بأن الحاجب تُدار بمنطق ترك الأعطاب تتفاقم بدل معالجتها، وبأن الفشل لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة غير مكتوبة في زمن كان يفترض أن يكون زمن تصحيح الاختلالات لا تعميقها.
تعليقات الزوار