صحافة “التفرقيش” تُفسد الكان أو حين تتحول التغطية إلى عبء على القوة الناعمة للمغرب

هبة زووم – الرباط
ما نشاهده اليوم في ندوات كأس أمم إفريقيا ليس مجرد ارتباك عابر في أداء بعض الصحافيين، ولا حالات فردية يمكن تجاوزها بحسن النية أو ضغط المنافسة، بل هو نتاج مباشر لظاهرة آخذة في التمدد، تُعرف بما بات يُسمى داخل الأوساط المهنية بـ”فراقشية الصحافة”.
ظاهرة حولت الصحافي من فاعل مهني إلى مشجع صاخب، ومن وسيط مساءلة إلى أداة اصطفاف وانفعال، ومن حامل للسؤال إلى عدو لكل من يجرؤ على طرحه.
صحافة “التفرقيش” ليست سلوكا عفويا، بل نمط اشتغال يقوم على الصراخ بدل التحليل، وعلى الولاء بدل المهنية، وعلى الدفاع الأعمى بدل البحث عن الحقيقة.
في هذا النموذج، يصبح السؤال النقدي “استفزازا”، وتُقدَّم المجاملة باعتبارها “دعما وطنيا”، ويُحوَّل المدرّب واللاعب إلى رموز فوق المساءلة، وكأن كرة القدم مجال محرم على النقد.
الأخطر في هذا المشهد، أن هذه الفراقشية لم تعد هامشية، بل صارت هي القاعدة، بعدما سيطرت على تغطية الشأن الرياضي في الآونة الأخيرة، ووجدت طريقها بقوة إلى منصات كأس إفريقيا.
والنتيجة: ندوات صحافية أقرب إلى حلقات تشنج، وصراعات جانبية بين الصحافيين أنفسهم، وضياع للسؤال الحقيقي وسط ضجيج الانفعال.
هذا الواقع لا يمكن فصله عن الاختيارات التي رافقت تنظيم “الكان”، حيث جرى، عن وعي أو غير وعي، إقصاء الصحافة المهنية والجادة، مقابل فتح المجال أمام أصوات تفتقد للحد الأدنى من التكوين والوعي بالدور الإعلامي، اختيار مكلف، ليس فقط على مستوى جودة التغطية، بل على مستوى صورة المغرب نفسه.
فالمغرب اليوم يراهن، عن حق، على القوة الناعمة لكسب قلوب الأفارقة: تنظيم محكم، صورة بلد مستقر، إعلام مسؤول، وخطاب يحترم الذكاء الجماعي.
غير أن صحافة “التفرقيش” تُهدد هذا الرهان من الداخل، لأنها تُحوّل التظاهرة القارية إلى ساحة صراخ، وتزرع التوتر بدل بناء الجسور، وتُخلّف انطباعًا سلبيًا لدى المتابع الإفريقي الذي لا يرى في هذا المشهد سوى إعلام مرتبك وعدواني.
قد ينتهي كأس إفريقيا، وستُطفأ الأضواء، وتُطوى اللافتات، لكن جراح هذا السلوك ستبقى.. ستبقى في ذاكرة الصحافيين الأفارقة، وفي صورة المغرب الإعلامية، وفي العلاقات التي كان من المفترض أن تُبنى على الاحترام لا على التشنج، ومهما حاولنا الترميم لاحقًا، فإن ما يُكسر خلال لحظات الذروة يصعب جبره.
الكرة ستتوقف، لكن الأسئلة ستظل معلقة: لماذا اختير “التفرقيش” بدل المهنية؟ ولماذا جرى الخلط بين الوطنية والصراخ؟ ولماذا يُصر البعض على تحويل الصحافة إلى عبء بدل أن تكون رافعة؟
الكان سيمر، أما الإعلام، فإما أن يستعيد بوصلته، أو يواصل حفر جراح لن تندمل بسهولة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد