هبة زووم – طنجة
لم يعد المواطن الطنجاوي في حاجة إلى تقارير رسمية أو بلاغات وزارية ليكتشف حجم الأزمة التي يتخبط فيها قطاع الصحة بمدينة طنجة.
الواقع اليومي داخل المستشفيات الجهوية والإقليمية كافٍ لفضح الحقيقة: نحن أمام واحدة من أعقد اللحظات الصحية التي عرفتها المدينة منذ سنوات، لحظة لم تعد فيها المعاناة استثناء، بل قاعدة.
ما يجري لم يعد يُصنّف ضمن خانة “الخدمات المتعثرة” أو “الضغط الموسمي”، بل أصبح أزمة بنيوية عميقة تمس جوهر الحق في العلاج، بل والحق في الحياة.
دخول المستشفى العمومي بطنجة صار أشبه بدخول فضاء رمادي، تتلاشى فيه الحدود بين الانتظار والعجز، وبين الأمل والخذلان.
في أقسام المستعجلات، مشاهد الاكتظاظ لم تعد تُفاجئ أحدًا: طوابير طويلة تنتظر طبيبًا واحدًا، مرضى يفترشون الكراسي أو الممرات، أجهزة طبية معطلة أو غير كافية، وأسرّة شحيحة قد ينتظرها المريض ساعات طويلة قبل أن يُفرج عنها.
أما المواعيد الطبية، فقد تحولت إلى ترف زمني، إذ ينتظر المواطن أربعة أو ستة أشهر لموعد مع طبيب مختص، في وقت لا يعترف فيه المرض بأي جدول زمني أو أعذار إدارية.
الأخطر من كل هذا، أن المواطن الطنجاوي لم يعد فقط غاضبًا، بل أصبح خائفًا.. يخاف أن يمرض في توقيت سيئ، يخاف أن يصل إلى المستشفى ولا يجد من يفحصه، يخاف أن يسمع الجملة القاتلة التي باتت تتردد كقدر محتوم: “ديوه لشي مصحة، هنا ما كاين ما نديرو ليه”. وحين يصبح الخوف هو الشعور السائد لدى المواطن داخل منظومة يفترض أنها وُجدت لحمايته، فذلك دليل قاطع على فشل السياسة الصحية.
هذا الخوف الجماعي ليس إحساسًا ذاتيًا أو مبالغة شعبية، بل مؤشر خطير على انهيار الثقة بين المواطن والمؤسسات الصحية، فالدولة قد تنجح في إطلاق مشاريع كبرى، وتشييد موانئ، وبناء طرق سيارة، وقد تتفاخر بمؤشرات اقتصادية ومالية، لكن حين يعجز المواطن عن الحصول على علاج بسيط، فإن كل تلك الإنجازات تفقد معناها وقيمتها الاجتماعية.
طنجة، التي تُقدَّم كواجهة اقتصادية واستثمارية للمغرب، تعيش مفارقة مؤلمة: مدينة كبرى بإمكانيات ضخمة، وخدمات صحية لا تواكب حجمها ولا حاجيات ساكنتها.
أين هي الحكامة في تدبير الموارد البشرية؟ أين هو التخطيط الاستباقي؟ وأين هو الربط بين النمو الديمغرافي المتسارع والبنية الصحية التي يفترض أن تستوعبه؟
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط صحة الأفراد، بل يهدد السلم الاجتماعي ويعمق الإحساس بالحيف، والمطلوب اليوم ليس مسكنات ظرفية ولا خطابات مطمئنة، بل إصلاح جذري وشجاع، يبدأ بالاعتراف بالأزمة، ويمر بمحاسبة المسؤولين عن الاختلالات، وينتهي بإعادة الاعتبار للإنسان كأولوية فوق كل المشاريع.
لأن مدينة لا تحمي مرضاها، لا يمكن أن تدّعي أنها تسير في طريق التنمية.
تعليقات الزوار