هبة زووم – برشيد
لم تكن التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفتها مدينة برشيد مجرد أمطار موسمية عابرة، بل تحولت في ظرف ساعات قليلة إلى امتحان حقيقي لقدرة المدينة على الصمود، امتحان كشف، دون مجاملات، هشاشة البنية الحضرية، وعرّى أعطاباً مزمنة ظلت مختبئة تحت الإسفلت، في انتظار أول زخّات جدية لتطفو إلى السطح.
مدينة برشيد، التي تُسوَّق منذ سنوات كـ”مدينة صاعدة” وتُقدَّم في الخطابات الرسمية كنموذج طموح داخل جهة الدار البيضاء–سطات، وجدت نفسها فجأة أمام سؤال بسيط في صيغته، محرج في دلالاته: كيف لمدينة في قلب المغرب، تعرف طبيعة مناخها وتساقطاتها، أن تعجز عن استيعاب أمطار موسمية متوقعة؟
وكيف تتحول نعمة المطر إلى عبء يومي على المواطنين، بدل أن تكون مؤشراً على جاهزية المرافق، ونجاعة التخطيط، وقدرة المسؤولين على الاستباق؟
الشوارع غُمرت، الأزقة تحولت إلى مسالك مائية، حركة السير ارتبكت، والمواطن وجد نفسه مرة أخرى يدفع ثمن اختيارات لم يكن طرفاً فيها.
غير أن الغرق الحقيقي الذي تعانيه برشيد ليس غرق الماء فقط، بل الغرق في منطق التأجيل، وفي غياب رؤية حضرية واضحة تحترم المدينة وساكنتها، وتتعامل مع البنية التحتية باعتبارها أولوية لا ملفاً موسمياً يُفتح مع أول مطر ويُغلق مع أول شمس.
الأمطار ستمر، كما مرت سابقاتها، لكن الأسئلة الثقيلة ستبقى معلقة في الهواء: هل تتعلم برشيد من مياهها؟ أم تكتفي في كل مرة بتجفيف الإسفلت، وانتظار الغيث القادم بنفس الأعطاب، ونفس الارتباك، ونفس الخطاب المكرور؟
الأكثر إيلاماً في المشهد أن هذا السيناريو لم يعد استثناءً، بل أصبح قاعدة موسمية. مع كل تساقطات، يتكرر المشهد ذاته: شوارع غارقة، تدخلات استعجالية، صور تُلتقط، ووعود تُطلق، قبل أن تعود الأمور إلى “طبيعتها” بمجرد أن تجف الأرض، وكأن المدينة مطالَبة بالنسيان السريع، لا بالمحاسبة، ولا بالمعالجة الجذرية.
وفي أول اختبار ميداني حقيقي، يطفو اسم عامل الإقليم، خلوق، إلى الواجهة، ليس من باب الإنجاز، بل من باب السؤال عن الجاهزية والقدرة على التدبير الاستباقي، فالسلطة الترابية لا تُقاس فقط بسرعة التدخل بعد وقوع الضرر، بل أساساً بمدى قدرتها على منع وقوعه، أو على الأقل تقليص آثاره.
برشيد اليوم لا تحتاج إلى بلاغات مطمئنة ولا إلى صور لآليات شفط المياه، بقدر ما تحتاج إلى قرارات شجاعة، ومحاسبة واضحة، ورؤية حضرية تقطع مع سياسة الترقيع، لأن المدينة التي تغرق مع كل مطر، لا يمكنها أن تقنع ساكنتها بأنها تسير نحو التنمية، ولا أن تطلب منهم الثقة في مستقبل لم تُؤمَّن له أبسط شروط الصمود.
تعليقات الزوار