سطات: حين ملّ الشارع من الوجوه المستهلكة ومن سياسة “التفرقيش” العلنية

هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم يعد الغضب هو ما يحرّك الشارع السطاتي، بل الإحباط، فساكنة إقليم سطات وصلت إلى مرحلة الملل السياسي، بعد أن تحوّلت الممارسة الانتخابية إلى إعادة تدوير الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والوعود نفسها التي لا تعمّر أكثر من موسم انتخابي.
السطاتيون ملّوا، لأن ما كان يُمارَس في الخفاء صار اليوم يُعرض في وضح النهار، “التشفارت” لم تعد تُوارى خلف الشعارات، بل تُبرَّر بخطاب “الكفاءة” و”المسار”، في وقت يكشف فيه الواقع معادلة بسيطة: من اقترب من السلطة اغتنى، ومن بقي خارج دوائر النفوذ ظل يجرّ الخيبة والتهميش.
ملّوا لأنهم يرون نفس الوجوه تعود كل مرة بابتسامة مصطنعة، وذاكرة مثقوبة، وكأن الإقليم بلا شباب، بلا كفاءات، وبلا بدائل. وجوه قذرة سياسيًا، لا لأنها متسخة بالتراب، بل لأنها بلا أثر، بلا حصيلة، بلا محاسبة، وبلا خجل من تكرار الفشل.
ورغم ذلك، فالسطاتيون لم ينسوا، يتذكرون جيدًا من نهب، من وعد ولم يفِ، من حوّل السياسة إلى تجارة مربحة، ومن تعامل مع الإقليم باعتباره غنيمة لا مجالًا للتنمية.
الخطر اليوم لم يعد في الغضب، بل في اللامبالاة، حين يصبح التصويت عبئًا، والسياسة مسرحية سوداء أبطالها معروفون ونهايتها محسومة.
في الأيام الأخيرة، لم يعد النقاش الدائر في سطات، سواء في الشارع أو على مواقع التواصل الاجتماعي، حول البرامج أو المشاريع أو الإيديولوجيات، بل حول من سيُقدَّم ومن سيُقصى، ومن حُجز له المقعد قبل انطلاق “اللعبة”، هكذا تُدار السياسة محليًا: لا تنافس على الأفكار، بل صراع على المواقع والولاءات.
الشارع السطاتي يرى اليوم أن جزءًا كبيرًا من الطبقة السياسية لا يمثل الساكنة، بل يمثل مغارة علي بابا، حيث يُقسم النفوذ وتُوزّع المكاسب بعيدًا عن هموم الناس، فيما يُترك المواطن متفرجًا، عاجزًا عن التأثير الحقيقي في القرار العمومي.
كل هذا يُقدَّم للرأي العام على أنه “دينامية حزبية”، بينما الحقيقة أبسط وأقسى: السلطة تُحتكر، والكعكة تُقسّم، والمواطن لا يرى أي أثر ملموس لنفوذ من يُفترض أنهم يمثلونه.
لذلك لم يعد السؤال عن البرامج، بل عن الشفافية والمصداقية: من يشتغل للناس، ومن يشتغل لمصالحه الخاصة؟ من يعرف معاناة الأحياء المهمشة، البطالة، الهجرة السرية، ومن يعيش مع الناس لا فوقهم؟
وسط هذا المناخ، تتجه أنظار السطاتيين إلى عامل الإقليم، حبوها، بعد القرارات التي اتخذها خلال الأشهر الماضية، والتي أعقبتها إعفاءات أحدثت صدى واسعًا وأعادت شيئًا من الأمل، في إطار ما وُصف بـ”تنقية الإدارة من مظاهر الفساد”.
غير أن هذا الأمل يبقى مشروطًا بفتح تحقيقات إدارية ومالية معمقة، وترتيب الجزاءات في حق كل من ثبت تورطه في تسهيل أو تغطية الخروقات، خاصة في ما يتعلق بتضارب المصالح داخل عدد من الجماعات القروية والحضرية.
ويرى متابعون أن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن ينجح دون تحصين الإدارة الترابية من الضغوطات، وتمكين رجال السلطة من أداء مهامهم باستقلالية ونزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الشارع السطاتي اليوم بإلحاح: هل ستكون مرحلة العامل حبوها نقطة تحول حقيقية في مسار محاربة الفساد بالإقليم؟ أم أن الانتظارات ستظل معلّقة، كما في كل مرة، إلى أجل غير مسمى؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد