هبة زووم – الرباط
في ذكرى رحيل الأستاذ والمفكر الاقتصادي إدريس بنعلي، أعاد الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي فتح جرح لم يلتئم بعد، جرح غياب العقول التي كانت ترى أبعد مما نراه اليوم، وتقول ما لا يجرؤ كثيرون على قوله في زمن التواطؤ والصمت المريح.
لم تكن تدوينة اليحياوي مجرد استحضار وجداني لأستاذ جامعي ترك بصمته في ذاكرة طلبته، بل كانت شهادة فكرية وأخلاقية على مرحلة كاملة، وعلى رجل اختار أن يكون في صف الحقيقة، لا في صف الامتيازات.
إدريس بنعلي، الذي درّس الاقتصاد وتاريخ الأحداث الاقتصادية الكبرى بجامعة محمد الخامس، لم يكن مجرد أكاديمي، بل كان ضميرًا نقديًا مبكرًا حذّر من الفساد والريع وطفيليات الاقتصاد، في وقت كان فيه الحديث عن هذه المواضيع يُعد ضربًا من “التشويش”.
ما يلفت في استحضار اليحياوي، ليس الحنين، بل المرارة، مرارة الاعتراف بأن أفكار الرجل لم تشخ، بل الواقع هو الذي ازداد تعفّنًا، فحديث إدريس بنعلي عن الريع وتضارب المصالح لا يبدو اليوم تراثًا فكريًا، بل تشخيصًا راهنًا لما نعيشه: تضارب مصالح مفضوح، نخب فاسدة تبدّل ألوانها حتى فقدت ملامحها، ونظام يراكم الأعطاب بينما يتقن تبريرها.
كان بنعلي، كما يصفه تلميذه، صاحب رؤية وبرنامج إنقاذ، لكن المشكلة لم تكن في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة للاستماع، نحن، كما يقول اليحياوي بمرارة، لا ننصت إلا لمن يُجمّل سلوك الفاسد، أو يلفّه بقانون أعوج، أو يحميه بقمع ناعم، هكذا يُقصى العقل النقدي، ويُفتح المجال لمن يتقن فن التبرير لا فن الإصلاح.
ويزداد هذا الاستحضار إيلامًا حين يُقارن زمن إدريس بنعلي بزمننا الحالي، حيث تحوّل الفساد من ممارسة مستترة إلى سلوك لا يستحي، وحيث لم يعد التناقض بين الخطاب والممارسة يثير أي حرج، إنها حالة تيه جماعي، نسير فيها كثيرًا، لكننا نُخطئ الطريق غالبًا، لأن البوصلة أُزيحت عمدًا.
ليست تدوينة اليحياوي إذن وفاءً شخصيًا فحسب، بل اتهامًا أخلاقيًا صريحًا لمرحلة اختارت أن تهمّش أصحاب الرؤية، وتكافئ الانتهازيين، وهي تذكير قاسٍ بأن المجتمعات لا تسقط فجأة، بل حين تتخلى عن حكمائها، وتُسكت أصوات النقد، وتعتبر الحقيقة إزعاجًا.
في زمن الحاجة الماسّة إلى أمثال إدريس بنعلي، يصبح استحضار اسمه موقفًا، لا ذكرى، موقفًا يقول إن إنكار الفضل ليس فقط جحودًا، بل أحد أعراض الانحطاط القيمي الذي نعيشه، حيث يُكافأ التافه، ويُقصى النزيه، ويُطلب من الجميع التصفيق.
تعليقات الزوار