بين بطء القضاء وتواطؤ شبكات السطو العقاري الملكية الخاصة في مهب الريح

هبة زووم – الرباط
دقّ الفريق الاشتراكي للمعارضة الاتحادية بمجلس المستشارين ناقوس الخطر بشأن تنامي ظاهرة السطو على أملاك الغير، محذرًا من تحولها إلى تهديد مباشر لجوهر الحق في الملكية، وأحد أخطر مظاهر انهيار الثقة في الأمن القانوني والقضائي بالمغرب.
لم يعد الأمر، بحسب تعقيب الفريق خلال الجلسة الأسبوعية للأسئلة الشفوية، حالات معزولة أو نزاعات عقارية عادية، بل ممارسات منظمة تستغل الثغرات المسطرية، وبطء الإجراءات القضائية، وأحيانًا تواطؤ شبكات معروفة، لفرض الأمر الواقع على مواطنين يجدون أنفسهم فجأة مجرد متفرجين على اغتصاب أملاكهم.
الخطير في هذه الظاهرة ليس فقط وقوع الاعتداء، بل اختلال ميزان القوة بين الضحية والجناة، فالمواطن البسيط يُدفع إلى مواجهة منظومة إجرائية معقدة، ومساطر طويلة ومكلفة، قد تمتد لسنوات، في وقت يستفيد فيه المعتدون من عامل الزمن لتعميق الضرر، وتثبيت وضعيات غير قانونية تصبح مع مرور الوقت شبه محصّنة.
هنا، لا يعود القضاء ملجأ سريعًا للإنصاف، بل يتحول—بفعل البطء والتعقيد—إلى مسار مُنهِك، يراكم الإحباط بدل أن يحقق الردع.
السؤال الذي طرحته المعارضة الاتحادية أمام وزير العدل عبد اللطيف وهبي ليس تقنيًا، بل سياسي بامتياز: هل الإطار القانوني الحالي كافٍ؟ وإذا كان كذلك، فأين يكمن الخلل الحقيقي؟ في النصوص؟ في التطبيق؟ في الزجر؟ أم في الوقاية التي تكاد تكون غائبة؟
فالقوانين، مهما كانت صرامتها، تفقد معناها حين لا تُفعّل، وحين لا تُواكب بإجراءات استباقية تحمي الملكية قبل الاعتداء عليها، لا بعد فوات الأوان.
ما يجري اليوم يضرب في العمق أحد أعمدة الدولة الحديثة: الأمن العقاري، فغياب الحماية الفعلية للملكية لا يهدد فقط الأفراد، بل يقوّض ثقة المستثمرين، ويغذي الإحساس بانعدام العدالة، ويفتح الباب أمام اقتصاد الظل والنزاعات الاجتماعية.
السطو على الأملاك ليس مجرد جريمة عقارية، بل مؤشر خطير على هشاشة المنظومة الوقائية، وعلى ضعف التنسيق بين الإدارة والقضاء، وعلى غياب المحاسبة الصارمة لكل من يثبت تورطه، أيا كانت صفته أو موقعه.
ما تطالب به المعارضة الاتحادية يتجاوز منطق تشديد العقوبات، إلى الدعوة لبناء منظومة متكاملة للحماية، قوامها: رقمنة شاملة وموثوقة للسجلات العقارية، تعزيز آليات التتبع والمراقبة، تسريع المساطر القضائية في قضايا الملكية، تفعيل المسؤولية التأديبية والجنائية دون انتقائية، قطع الطريق على كل أشكال التواطؤ الإداري أو المهني، فالحق في الملكية لا يُحمى بالخطاب، بل بالإجراءات، ولا يُصان بالنوايا، بل بالردع والنجاعة.
ما يطرحه هذا الملف اليوم هو سؤال جوهري: هل تستطيع الدولة حماية أبسط حقوق مواطنيها؟ وهل يظل الحق في الملكية مضمونًا فعليًا، أم يتحول إلى امتياز لمن يملك النفوذ والوقت والمال؟
الجواب لن يُقاس بالكلمات داخل البرلمان، بل بمدى قدرة المؤسسات على وقف هذا النزيف القانوني، وإعادة الاعتبار لملكية يُفترض أنها مصونة بالدستور، لا مستباحة بالثغرات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد