هبة زووم – الرباط
أعاد قرار إسقاط الخازن العام للمملكة، نور الدين بنسودة، من مهامه إلى الواجهة نقاشًا قديمًا جديدًا حول طبيعة التغييرات التي تطال المناصب العليا، وحدود الشفافية في تدبيرها، ومدى انسجامها مع الخطاب الرسمي حول ربط المسؤولية بالمحاسبة.
في هذا السياق، قدّم الناشط الحقوقي والباحث التربوي أحمد كيكيش قراءة نقدية جريئة، وضعت القرار في خانة “المنطقة الرمادية”، حيث تختلط إشارات الإصلاح بإشارات الغموض، وتتصادم روايتان متناقضتان دون أن تحسمهما معطيات رسمية واضحة.
يرى كيكيش أن منصب الخازن العام للمملكة لا يمكن التعامل معه كمنصب إداري عادي، بل هو موقع شبه سيادي يتحكم في مفاصل حساسة من المالية العمومية، ما يجعل أي إعفاء أو تعيين فيه فعلًا سياسيًا بامتياز، يستوجب الحد الأدنى من التوضيح للرأي العام.
غير أن ما حدث، بحسب القراءة ذاتها، هو العكس تمامًا: إسقاط مفاجئ دون بلاغ مُفصّل، ودون تحديد خلفيات القرار، ما فتح الباب أمام سيل من التأويلات، بعضها يقرأ في الخطوة بداية قطيعة مع نمط تدبيري استنفد وقته، وبعضها الآخر يراها مجرد إجراء مرحلي يُمهّد لإعادة تموقع الرجل في منصب آخر.
الأكثر إثارة للقلق، وفق كيكيش، أن هذا القرار لا يمكن فصله عن سياق عام موسوم بتقارير رقابية ثقيلة، وعلى رأسها تقرير المجلس الأعلى للحسابات، إلى جانب ما أثير حول تفويت عقار بمراكش لفائدة ابن الخازن العام وهو في سن قاصرة، وهي معطيات – وإن لم تُحسم قضائيًا – كان يفترض أن تفرض منطق الوضوح بدل الصمت.
ويطرح المتحدث سؤالًا محرجًا: إذا كان الإعفاء مرتبطًا بهذه المعطيات، فلماذا لم يتم الإعلان عن ذلك صراحة؟ وإذا لم يكن كذلك، فلماذا يُترك الرأي العام رهينة الإشاعة والتأويل؟
القراءة النقدية لا تستبعد، في المقابل، أن يكون ما جرى مجرد إعادة ترتيب للنخب، في سياق تُكافأ فيه بعض الشخصيات على “خدماتها” بدل محاسبتها، خصوصًا مع تداول سيناريو انتقال بنسودة إلى منصب والي بنك المغرب، وهو ما – إن صح – سيُفرغ قرار الإعفاء من أي حمولة إصلاحية، ويحوّله إلى رسالة سلبية حول مفهوم المحاسبة.
يؤكد كيكيش أن الإشكال لا يكمن في شخص الخازن العام السابق، بل في مصداقية الدولة في تدبير مناصب المسؤولية العليا، وفي قدرتها على إقناع المواطنين بأن التغيير ليس مجرد تدوير للأسماء، بل فعل سياسي وإداري يخضع لمعايير واضحة، ولقواعد الشفافية والمساءلة.
ويخلص إلى أن استمرار هذا الأسلوب الغامض في تدبير الإعفاءات الكبرى يكرّس أزمة ثقة صامتة، ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام دولة تحاسب مسؤولِيها؟ أم أمام نظام يُتقن فقط تغيير المواقع دون تغيير المنطق؟
تعليقات الزوار