الحسيمة: تردّد العامل فؤاد حجي يحوّل خطاب محاربة الفساد إلى اختبار للمصداقية

المراسل – الحسيمة
لم يعد الجدل الدائر حول محاربة الفساد بإقليم الحسيمة مجرد اختلاف في وجهات النظر أو سوء تقدير ظرفي، بل بات يعكس أزمة حقيقية في الحسم، وارتباكًا واضحًا في تنزيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي طالما رُفع كشعار مركزي في الخطاب الرسمي.
ففي إقليم تتراكم فيه الشكايات، وتطفو بين الفينة والأخرى ملفات ثقيلة مرتبطة بتدبير الشأن المحلي، ينتظر المواطن مواقف واضحة وقرارات جريئة، لا بيانات رمادية ولا تبريرات فضفاضة تُراكم الإحباط بدل معالجته.
في الحسيمة، لم يعد المواطن في حاجة إلى مسؤولين يتقنون الوقوف أمام الكاميرات، أو خطباء يرفعون شعار “حب الوطن” عند كل منعطف، بقدر ما هو في حاجة إلى إدارة ترابية تشتغل بصمت، وتواجه لوبيات المصالح دون حسابات جانبية أو تردد.
فالوطنية، في معناها الحقيقي، ليست محتوى يُسوّق على منصات التواصل الاجتماعي، ولا مسرحية موسمية تُؤدى كلما اقتضت الحاجة، بل ممارسة يومية تبدأ باحترام القانون وتنتهي بحماية المال العام.
ما يثير القلق في المشهد المحلي اليوم، هو هذا الخلط المتعمد بين الوطنية والمزايدة، حيث برزت فئة من “المدّاحين الجدد” الذين حوّلوا خطاب الغيرة على الوطن إلى سلعة مربحة، يوزّعون من خلالها صكوك الولاء، ويتحدثون وكأنهم أوصياء على الوطنية، بينما لا يقدمون للمدينة سوى الضجيج وتسميم النقاش العمومي.
هؤلاء لا يرفعون راية الوطن إلا عندما تكون الأضواء مسلطة عليهم، ولا يستحضرون الصالح العام إلا حين يكون المقابل مضمونًا. يصرخون كثيرًا، لكنهم لا ينجزون شيئًا، ويتغذون على الفوضى أكثر مما يخدمون الاستقرار.
في هذا السياق، تطرح مواقف عامل إقليم الحسيمة، فؤاد حجي، أكثر من علامة استفهام، خاصة بعد الزيارات الميدانية التي قام بها إلى عدد من جماعات الإقليم، ووقوفه شخصيًا على حجم الاختلالات والفساد الذي حوّل بعض الجماعات إلى ما يشبه “ضيعات خاصة” في يد رؤسائها.
فرغم تشخيص الداء، لا تزال القرارات الحاسمة غائبة أو مؤجلة، في وقت لا تحتمل فيه محاربة الفساد أي منطق للتردد أو الانتقائية أو مراعاة “توازنات المرحلة”.
فإما أن تكون هناك إرادة فعلية لقطع دابر الفساد، أو أن يستمر الوضع على ما هو عليه، مع ما يحمله ذلك من فقدان للثقة وتآكل للمصداقية.
المواطن الحسيمي اليوم لا يطلب المستحيل، ولا ينتظر معجزات، بل يطالب بالوضوح في المواقف، والحزم في القرارات، والعدالة في التعاطي مع الملفات، دون تمييز أو حسابات جانبية.
إن استمرار هذا التذبذب في معالجة قضايا الفساد لا يسيء فقط إلى صورة الإدارة الترابية، بل يفتح الباب أمام الانتهازيين لاحتكار خطاب الوطنية وتحويله إلى أداة للابتزاز السياسي والإعلامي.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا وملحًّا: هل آن الأوان للانتقال من خطاب النوايا إلى فعل المحاسبة؟ أم أن الحسيمة ستظل رهينة شعارات براقة ومواقف مترددة، تُغذي الإحباط بدل أن تبني الثقة؟
فالوطن، في النهاية، لا يُحمى بالشعارات، بل بالضمير الحي، ولا يُخدم بالصراخ، بل بالعمل الصامت والمسؤول.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد