هبة زووم – شفشاون
لم تعد السيول الجارفة التي ضربت إقليم شفشاون خلال الأسابيع الأخيرة مجرد “اضطراب جوي موسمي”، كما يحاول البعض اختزالها، بل تحولت إلى كارثة طبيعية مكتملة الأركان، شردت عشرات الأسر، ودمرت منازل، وعزلت قرى بأكملها عن العالم الخارجي، في مشهد يختزل هشاشة البنيات وضعف الجاهزية وغياب القرار السياسي في لحظة حرجة.
ورغم دقّ نشطاء وفاعلين محليين ناقوس الخطر منذ الأيام الأولى، فإن التدخلات ظلت محدودة، ظرفية، وأقرب إلى تدبير الأزمة إعلاميًا منها إلى معالجة جوهرية لوضع إنساني يتدهور يومًا بعد يوم.
فالطرق المنهارة لم تُفتح في آجال معقولة، والمسالك القروية ما تزال مقطوعة، وعدد من السكان يعيشون عزلة خانقة في غياب الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
المعاينات الميدانية، بما فيها ما وثقته هبة زووم، تؤكد أن ما وقع يستوفي بشكل صريح الشروط القانونية لتصنيف الواقعة ككارثة طبيعية، وفق المادة الثالثة من قانون تغطية عواقب الوقائع الكارثية: سبب طبيعي حاسم (تساقطات قياسية وانجرافات غير مسبوقة)، وعجز التدابير الاعتيادية (انهيار طرق، تعطّل شبكات التصريف، تشريد الساكنة، وتوقف الحياة في قرى كاملة).
ورغم ذلك، لم يصدر إلى حدود الساعة أي إعلان رسمي يعتبر إقليم شفشاون منطقة منكوبة، في مفارقة تطرح أكثر من علامة استفهام، خاصة وأن الحكومة سارعت إلى اتخاذ هذا القرار في أقاليم أخرى كالعرائش، سيدي قاسم، سيدي سليمان والقنيطرة، ما يعيد إلى الواجهة سؤال العدالة المجالية ومعايير الانتقاء في تدبير الكوارث.
كل يوم تأخير في الاعتراف الرسمي بالكارثة لا يعني سوى شيء واحد: مزيد من المعاناة للساكنة، فغياب هذا الإعلان يحرم المتضررين من آليات الدعم الاستعجالي، وبرامج التعويض، وإمكانيات إعادة الإعمار، ويُبقي الأسر في مواجهة مصيرها بإمكانيات ذاتية هزيلة.
الأخطر من ذلك، أن هذا الصمت يتناقض بشكل صارخ مع الالتزامات الدولية للمغرب، خاصة في إطار “سينداي 2015-2030”، الذي يدعو إلى الاستباق، وبناء الصمود، والتعافي الأفضل، لا إلى الانتظار حتى تخبو الأضواء.
وفي خضم هذه الأزمة، تتجه أصابع الاتهام بشكل مباشر إلى برلمانيي الإقليم وعامل الإقليم، الذين يُؤاخذ عليهم، بحسب عدد من المواطنين، الغياب التام عن معركة الترافع من أجل الإقليم، والاكتفاء بدور المتفرج، في وقت كانت فيه الحاجة ملحة إلى ضغط سياسي ومؤسساتي لانتزاع قرار إعلان شفشاون منطقة منكوبة.
كما ساهم ضعف التغطية الإعلامية الوطنية في تعميق هذا التهميش، حيث بقيت صور الدمار والخسائر البشرية حبيسة النطاق المحلي، دون أن تتحول إلى قضية رأي عام تستدعي تدخلاً عاجلاً.
ولم يعد مقبولًا الاستمرار في منطق التدبير بالقطعة، والمطلوب اليوم: إعلان فوري لإقليم شفشاون منطقة منكوبة، تقييم ميداني شامل وشفاف لحجم الخسائر، فك العزلة عن القرى وفتح المسالك والطرق، دعم مباشر للأسر والفلاحين وتعويض عادل، مع ضمان الولوج للعلاج والمساعدات دون بيروقراطية، أما غير ذلك، فلن يكون سوى تأجيل لأزمة ستعود بأكلاف إنسانية ومؤسساتية أكبر.
تعليقات الزوار