وجدة ومنطق “أنا ومن بعدي الطوفان” أو حين تُكافأ الرداءة وتُعاقَب الكفاءة

هبة زووم – محمد أمين
في مدينة وجدة، لم تعد المفاجآت الإدارية تثير الدهشة بقدر ما تكرّس الإحباط، فكل صباح يحمل معه خبرًا جديدًا عن تعيينات تفتقر إلى المنطق، وترقيات تُطرح حولها أكثر من علامة استفهام، في مشهد بات يختبر قدرة الساكنة على التحمل، ويقيس منسوب اللامعقول في تدبير الشأن العام.
لم يعد معيار الكفاءة هو بوابة المسؤولية، بل تحوّل ـ paradoxalement ـ إلى تهمة غير مرغوب فيها، فيما صار القرب، والولاء، و”الصورة مع فلان” أو “القرابة مع علان” جواز مرور مضمونًا داخل دواليب القرار.
هكذا، أضحت الإدارة فضاءً لإعادة تدوير الرداءة، حيث يُقصى من يمتلك الخبرة لأن وجوده يفضح هشاشة من تسلقوا المناصب عبر التزلف والتموقع الموسمي.
وجدة، كمدينة وتاريخ وذاكرة جماعية، أكبر من هذه المهاترات، وأسمى من أن تُختزل في منطق الغنيمة وتقاسم النفوذ، فهي في حاجة إلى وطنيين حقيقيين، لا إلى وصوليين انتهازيين احترفوا ركوب كل الموجات، والتغذي على مآسي الناس، والتناحر على المواقع، واللهث وراء الامتيازات.
هؤلاء لا يمثلون سوى عبء على الدولة والمجتمع؛ لا يحملون مشروعًا، ولا رؤية، ولا حسًا بالمسؤولية. كل ما يتقنونه هو صناعة خطاب منمّق يوحي بالنزاهة والتجرد والغيرة الوطنية، بينما واقعهم العملي محكوم بمنطق واحد: “أنا أولًا… ومن بعدي الطوفان”.
الأخطر في هذا السلوك، أنه يقوم على رياء أخلاقي ممنهج؛ حيث تُستعمل القيم كشعارات للاستهلاك، لا كمرجع للممارسة. وعند الاقتراب من حقيقة الطموحات، يتضح أن الاستعداد للتضحية بالآخرين ـ أصدقاء، زملاء، أو حتى أولياء نعمة ـ أمر عادي، ما دام الطريق إلى المنصب أو الامتياز يظل مفتوحًا.
في هذا السياق، يُطرح سؤال جوهري حول منطق التدبير الترابي، وحول دور المسؤول الأول بالإقليم، العطفاوي: هل المطلوب هو إدارة الشأن العام بمنطق الاستحقاق والكفاءة؟ أم تكريس واقع تصبح فيه الإدارة مجالًا لتصفية الحسابات وإعادة توزيع المواقع وفق معايير لا تمت بصلة للمصلحة العامة؟
إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط ثقة المواطنين في الإدارة، بل يضرب في العمق فكرة الدولة نفسها، حين يشعر المواطن أن الجدارة لا قيمة لها، وأن الانتهازية هي الطريق الأسرع للصعود.
وجدة اليوم ليست في حاجة إلى مزيد من الوجوه نفسها، بل إلى قطيعة حقيقية مع منطق “أنا ومن بعد الطوفان”، وإلى إعادة الاعتبار للكفاءة كشرط أساسي لتحمل المسؤولية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد