هبة زووم – الدار البيضاء
لم يكن صوت الجرافة، وهي تدكّ مسرح الصديقي بشارع غاندي، مجرد ضجيج أشغال عادية في مدينة اعتادت الهدم أكثر مما اعتادت الترميم.
كان ذلك الصوت إعلانًا صريحًا عن جريمة ثقافية مكتملة الأركان، وضربة موجعة لذاكرة الدار البيضاء، حيث يُسفك المعنى لصالح الإسمنت، وتُدفن الثقافة تحت أساسات فندق جديد.
ما الذي جرى؟ وكيف حصل هذا؟ ومن سمح بأن تُمحى معلمة ثقافية دون نقاش عمومي، ولا حتى محاولة خجولة للتبرير؟
الأسئلة كثيرة، لكن الأجوبة غائبة أو متواطئة بالصمت، فكل ما نعلمه أن ما جرى ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في مسلسل طويل عنوانه: انتصار لوبيات العقار على ما تبقى من الروح الثقافية للمدينة.
بعد صلاة الجنازة الرمزية على المعرض الدولي للكتاب، تأتي هذه الواقعة لتؤكد أن الثقافة في المغرب، وخصوصًا في الدار البيضاء، لم تعد أولوية، بل عبئًا يجب التخلص منه كلما اعترض طريق “الاستثمار”.
فالمسرح، الذي كان فضاءً للفكر والتجريب والاختلاف، لم يصمد أمام منطق “الآجور” الذي لا يرى في المدينة سوى قطع أرض قابلة للتفويت.
محليًا، تتجه أصابع الاتهام إلى لوبيات عقارية نجحت، عبر سنوات من التغلغل، في الإمساك بدفة القرار داخل مجلس المدينة، لوبيات لا ترى في التراث سوى عائق، ولا في الثقافة سوى هامش غير مربح.
أما وطنيًا، فلا يمكن فصل ما جرى عن الرؤية العامة التي يشرف عليها المهدي بنسعيد، وزير الثقافة والشباب والتواصل، الذي يُتهم من طرف فاعلين ثقافيين بتكريس تصور استعراضي للثقافة، قائم على الفرجة السريعة والرقمية، بدل الاستثمار في البنية الثقافية الحقيقية.
مشروع بناء أكبر مركب للألعاب الإلكترونية بكلفة 15 مليار سنتيم، والذي أثار جدلًا واسعًا، ليس سوى مثال صارخ على هذا التحول: ثقافة تُختزل في “Gaming”، وفن يُزاح لصالح الشاشات، ومسرح يُمحى ليُفسح المجال لفندق.
ليس غريبًا، إذن اليوم، أن يحتج فنانون داخل دورة فبراير الأخيرة لمجلس المدينة، وهم يرون مدينتهم تُسلَّم قطعة قطعة لمنطق السوق.
الدار البيضاء، التي لطالما قُدمت كعاصمة اقتصادية، تُدفع اليوم إلى التخلي حتى عن ذاكرتها الرمزية، مسرح الصديقي لم يكن مجرد بناية، بل كان شاهدًا على مراحل من تطور المسرح المغربي، وعلى لحظات من الصراع الجمالي والفكري، وهدمه اليوم يعني تكريس فكرة خطيرة: لا قداسة لأي فضاء ثقافي أمام شهية العقار.
إن ما يحدث ليس فقط فشلًا في حماية التراث، بل إعلان إفلاس سياسي وثقافي، فمدينة بلا مسارح، بلا مكتبات، وبلا فضاءات للفن، هي مدينة مرشحة للعنف الرمزي، وللتفاهة المنظمة، وللانفصال التام بين الإنسان ومحيطه.
ما جرى في مسرح الصديقي ليس قدرًا، بل نتيجة اختيارات. اختيارات تُفضل الربح السريع على الذاكرة، وتُقايض الثقافة بالإسمنت، وتعتبر المواطن مجرد مستهلك لا يحتاج إلى فن أو تفكير، والسؤال الجوهري اليوم: من يحمي الثقافة حين يصبح الهدم قرارًا، والصمت سياسة؟
تعليقات الزوار