هبة زووم – الرباط
على عادته، وبأسلوبه الصادم الذي لا يهادن الأوهام، كتب الدكتور والباحث في الشؤون الإسلامية إدريس الكنبوري تدوينة تضع الأصبع على واحدة من أكثر المفارقات سخرية في السياسة العربية المعاصرة: الأنظمة التي لا تخشى شيئًا كما تخشى الانتخابات، لكن ليس داخل بلدانها.
يذكّر الكنبوري بأن إسرائيل مقبلة على انتخابات تشريعية في أكتوبر المقبل، مع احتمال تقديمها إذا انهار التحالف الحكومي الذي يقوده بنيامين نتنياهو.
لكن جوهر المسألة لا يكمن في موعد الانتخابات، بل في نتائجها المتوقعة: صعود اليمين الديني المتطرف، الذي بدأ مبكرًا في التلويح بتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة، في مشهد يعيد إنتاج النكبة بلغة انتخابية باردة.
في هذا السياق، يسخر الكنبوري بمرارة من وهم “الأمان السياسي”، متوقفًا عند وضع محمود عباس، الذي يعيش في الضفة الغربية معتقدًا أن موقعه السياسي كفيل بحمايته، بينما الأرض من تحته تُفرغ، والقرار يُصاغ في تل أبيب لا في رام الله.
ينتقل الكنبوري إلى تشريح العلاقة العبثية بين الأنظمة العربية والانتخابات، واصفًا إياها بـ”المضحكة”، فالانتخابات الوحيدة التي تُتابَع بقلق حقيقي، وتُحسب لها ألف حساب، هي الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية.
أما الانتخابات المحلية، فهي – بحسب توصيفه – “انتخابات مُنظمة بعناية”، معروفة النتائج سلفًا، حيث يمكن التنبؤ بشكل الحكومة المقبلة قبل أن تكمل الحكومة الحالية عامها الأول، تمامًا كما تُعرف أسئلة امتحانات الباك أو المحاماة قبل موعدها.
لكن المفارقة لا تتوقف هنا، فكما تضحك الأنظمة العربية على مواطنيها عبر انتخابات شكلية، تضحك الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على تلك الأنظمة بالطريقة نفسها.
الأنظمة تنتظر “تحسن الأوضاع” بعد كل استحقاق انتخابي في واشنطن أو تل أبيب، لكنها تصحو في كل مرة على واقع أسوأ: مزيد من الضغط، مزيد من الابتزاز، ومزيد من التوسع الإسرائيلي.
وهنا يقدّم الكنبوري خلاصة سياسية قاسية: المواطن العربي فهم باكرًا أن الأحزاب المحلية متشابهة، وأن الانتخابات مجرد ديكور، لكنه – على عكس أنظمته – لم يقع في وهم أن الأحزاب في أمريكا وإسرائيل مختلفة جوهريًا.
فالسياسة الخارجية، كما يؤكد، ثابتة لا تتغير بتغير الديمقراطيين أو الجمهوريين، ولا بتناوب اليمين واليسار في إسرائيل، فالنتيجة واحدة: إسرائيل تزداد تغولًا، توسعًا، واستكبارًا.
في نهاية هذا التشخيص اللاذع، يخلص الكنبوري إلى حقيقة موجعة: هناك فئتان في العالم لم تعودا تصدقان الانتخابات إطلاقًا، المواطن العربي، الذي خبر الزيف المحلي، والمواطن الفلسطيني، الذي خبر الخديعة الدولية.
ما تكشفه قراءة الكنبوري ليس موقفًا أيديولوجيًا، بل وعيًا سياسيًا مريرًا: الانتخابات، حين تُفرغ من مضمونها، تتحول من أداة تغيير إلى أداة خداع جماعي.
والسؤال الذي يظل معلقًا: متى تدرك الأنظمة العربية أن الرهان على نتائج انتخابات الآخرين وهمٌ قاتل، وأن خلاص الشعوب لا يُستورد من صناديق تل أبيب أو واشنطن؟
تعليقات الزوار