هبة زووم – علال الصحراوي
لم تعد أكادير، عاصمة سوس، تلك المدينة الهادئة التي يتقاسم فيها السكان والزوار دفء العيش، كما كان الحال قبل عقدين، فاليوم، تبدو العاصمة الاقتصادية لجهة سوس ماسة وكأنها تقف على حافة مفارقة مريرة: جمال ساحر يلمع في الواجهة السياحية والعمرانية، مقابل واقع اجتماعي يغلي في الخفاء، ينذر بانفجار قد لا تُحمَد عقباه.
التشبيه بمدينة من مدن أمريكا اللاتينية، الذي يتردد اليوم في أوساط الملاحظين للشأن المحلي، ليس مجرد استعارة أدبية عابرة، إنه وصف قاتم لواقع بدأت أكادير تعيشه فعلاً: مجتمع منقسم بين ثراء فاحش يعلو على الأبراج الفاخرة، وفقر مدقع يسكن الأزقة المهمشة، وما بينهما فراغ اجتماعي خطير يبتلع الطبقة المتوسطة التي كانت يوماً صمام أمان المدينة.
في السنوات الأخيرة، شهدت أكادير طفرة عمرانية وسياحية لا يُنكرها أحد: مشاريع فاخرة، فيلات مغلقة، فنادق من أربعة وخمسة نجوم، إقامات محروسة بكاميرات المراقبة وحراس الأمن، هذه الواجهة اللامعة تُسوّق للمدينة كـ”وجهة راقية” في المعارض الدولية، وتجذب المستثمرين والسياح الباحثين عن الرفاهية.
لكن خلف هذه الواجهة البراقة، يختفي واقع آخر أقل بريقاً، وأكثر إيلاماً، فالطبقة المتوسطة، التي كانت تشكل عماد النسيج الاجتماعي لأكادير، تتآكل بسرعة مذهلة.
الموظفون، الحرفيون، أصحاب الدخل المحدود، المياومون، كلهم يجدون أنفسهم أمام معادلة مستحيلة: غلاء المعيشة يرتفع، والدخل لا يواكب، والسكن يصبح حلماً بعيد المنال.
والأخطر من ذلك، أن هذا التآكل الاجتماعي لا يحدث في صمت، بل يرافقه صعود طبقة جديدة من “أثرياء الأزمة”، الذين استفادوا من العقار، ومن الصفقات، ومن النفوذ، ليراكموا ثروات طائلة بينما يغرق الباقون في دوامة الفقر.
في الجانب الخفي من أكادير، تتشكل طبقة اجتماعية ضائعة، لا تنتمي لا للفقر المدقع ولا للثراء الفاحش، بل تتيه في منطقة رمادية قاتمة، شباب يحملون شهادات ويبحثون عن عمل فلا يجدون، وفتيات في عمر الزهور يواجهن إغراءات قاسية وضغوطاً مادية تدفعهن نحو خيارات يأساً منها، وعائلات كاملة تعيش على هامش الكرامة، تنتظر من ينقذها من براثن الحاجة.
هذه الظواهر ليست “هامشية” كما يُحب البعض أن يصفها، إنها مؤشرات خطرة على انهيار العقد الاجتماعي في المدينة، فحين يفقد الشاب الأمل في مستقبل لائق، وحين تضطر الفتاة لبيع كرامتها من أجل لقمة العيش، وحين تعجز الأسرة عن توفير أبسط مقومات الحياة، فإننا لا نتحدث عن “مشكل اجتماعي عابر”، بل عن أزمة وجودية تهدد استقرار المدينة بأكملها.
في ظل هذا المشهد الاجتماعي المتفجر، يطرح سؤال المسؤولية بقوة: أين هي السلطة الترابية؟ وأين هو الوالي أمزازي، المسؤول الأول عن تدبير الشأن المحلي بالإقليم؟
السكان لا يرون في الوجود الرسمي للوالي أي أثر ملموس على حياتهم اليومية، فلا مشاريع اجتماعية طارئة تُنقذ الطبقة المتوسطة من الانهيار، ولا سياسات وقائية تحمي الفئات الهشة من الاستغلال، ولا رؤية استراتيجية تعيد التوازن لمدينة تعيش على إيقاعين متناقضين.
والأسوأ من ذلك، أن الصمت الرسمي إزاء هذه الاختلالات يُفسر من قبل الكثيرين على أنه لامبالاة مُبرمجة، أو عجز عن فهم تعقيدات الواقع الاجتماعي، فحين تُصبح الواجهة السياحية أهم من باطن المدينة، وحين يُقدّم الاستثمار الفاخر على الحماية الاجتماعية، فإن الرسالة التي تُبعث للسكان واضحة: “أنتم لستم الأولوية”.
لم تعد أكادير بحاجة إلى مزيد من البيانات الصحفية التي تُروّج لـ”النجاحات” و”الإنجازات”، فالمدينة تحتاج إلى جرعة صادقة من الواقع، وإلى اعتراف رسمي بأن شيئاً ما يسير في الاتجاه الخطأ.
فالتشبيه بكولومبيا ليس تهويلاً، بل تحذيراً، فكولومبيا لم تنهار بين ليلة وضحاها، بل تآكلت طبقتها المتوسطة تدريجياً، حتى وصلت إلى مرحلة الانقسام الطبقي الحاد الذي نعرفه اليوم، وأكادير، إن استمرت في نفس المنحى، قد تسير نحو نفس المصير.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل يدرك الوالي أمزازي خطورة اللحظة؟ أم أن الانشغال بالبروتوكولات والزيارات الرسمية يحجبه عن رؤية الجروح الاجتماعية التي تنزف يومياً في أحياء مدينته؟
في النهاية، لم تعد أكادير تحتمل المزيد من الصمت، فالمدينة التي كانت يوماً نموذجاً للتعايش والاستقرار، أصبحت اليوم على مفترق طرق: إما إصلاح اجتماعي عاجل يعيد الأمل للطبقة المتوسطة ويحمي الفئات الهشة، وإما استمرار في تجاهل الجروح الاجتماعية الذي قد يقود إلى انفجار لا يُحمد عقباه.
الوالي أمزازي، والسلطة الترابية بأكملها، أمام مسؤولية تاريخية: إنقاذ أكادير من مصير كولومبيا، أو تحمل تبعات التقصير، فإما فعل حقيقي يُعيد التوازن للمدينة، ويُعيد الثقة بين السكان والسلطة، وإما صمت يُكرس الانهيار، ويُحول أكادير من “لؤلؤة سوس” إلى نموذج مؤلم للانقسام الاجتماعي، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى.
تعليقات الزوار