هبة زووم – الرباط
في تدوينة جديدة تلامس جوهر الأزمة الأخلاقية والسياسية التي تعيشها المنطقة، يواصل الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تشريحه الجريء لما يجري في الشرق الأوسط، واضعًا الأصبع على ما يسميه كثيرون اليوم بـفضيحة المعايير المزدوجة في مواقف الدول العربية والمؤسسات الإقليمية.
اليحياوي لا يتحدث عن تفاصيل عسكرية، بل عن انهيار البوصلة الأخلاقية. فمعظم الدول العربية، ومعها الغرب الذي يصفه بـ”المنافق”، سارعوا إلى إدانة استهداف إيران لبلدان الخليج، من السعودية والإمارات إلى البحرين وقطر والكويت والأردن، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء إدانة العدوان الأميركي/الإسرائيلي على إيران.
المفارقة الصادمة، كما يبرزها اليحياوي، أن نفس الأصوات التي ارتفعت للتنديد بإيران، صمتت صمتًا مريبًا أمام وقائع أشد فظاعة: تصفية ما يقارب 120 طفلة في قصف أميركي مباشر لمدرسة ابتدائية، وعمليات اغتيال سياسية طالت مرشد الثورة الإيرانية وعددًا من كبار مساعديه.
هنا لا يعود الصمت حيادًا، بل يتحول إلى موقف سياسي منحاز، وإلى مشاركة غير مباشرة في الجريمة عبر التغاضي عنها.
ويرفض اليحياوي تقديم دول الخليج باعتبارها “ضحايا أبرياء”، مذكّرًا بأن معظم البلدان التي طالها الاستهداف الإيراني تحتضن قواعد عسكرية أميركية، أو فتحت أجواءها للطائرات الحربية التي قصفت إيران، أو سخّرت أنظمتها الدفاعية لاعتراض الصواريخ الموجهة إلى القواعد الأميركية أو إلى إسرائيل.
بهذا المعنى، تصبح هذه الدول – وفق التحليل – أطرافًا مشاركة في العدوان، لا مجرد ساحات عابرة. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن تصنيفها من طرف إيران كـ”بلدان عدوة” ليس فعلًا اعتباطيًا، بل نتيجة منطقية في سياق حرب مفتوحة لا تعترف بالرماديات.
“هذه حرب مستعرة.. صديق العدو فيها عدو مبين”، يقول اليحياوي، مستحضرًا مقولة تاريخية للرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق: “من يتعامل مع أميركا كالذي يتعامل مع الفحم، لن يناله إلا سواد الوجه واليدين”.
اقتباس يُستحضر اليوم ليس كحكمة تاريخية فقط، بل كتلخيص مكثف لمصير أنظمة اختارت الارتهان للخارج، معتقدة أن الحماية تُشترى بالصمت أو التواطؤ.
ما يكشفه هذا الموقف ليس دفاعًا أعمى عن إيران، بقدر ما هو اتهام صريح لنظام إقليمي فقد قدرته على التمييز بين الضحية والجلاد. فحين تُدان الصواريخ ويُغضّ الطرف عن المجازر، تصبح الإدانة نفسها جريمة أخلاقية.
وفي زمن الحروب الكبرى، لا يُسجل التاريخ عدد البيانات الصادرة، بل مَن وقف مع الحق ومَن اختار الصمت أو الاصطفاف مع القوة.
تعليقات الزوار