مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة: مشاريع “على الورق” وإقصاء ممنهج لتطوان والتنمية أصبحت “احتكاراً جغرافياً”؟
هبة زووم – حسن لعشير
عقد مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، يوم الاثنين 02 مارس 2026، دورته العادية بمقر الجهة بمدينة طنجة، برئاسة عمر مورو، وبحضور والي الجهة يونس التازي، حيث صادق الأعضاء “بإجماع” على مختلف النقاط المدرجة في جدول الأعمال.
وبينما احتفت التصريحات الرسمية بـ”دينامية تنموية جديدة” و”ترسيخ للحكامة الجيدة”، يطرح الواقع الميداني أسئلة محرجة: أين تتجسد هذه المشاريع المصادق عليها؟ ولماذا تستمر مدينة تطوان في الغياب عن خريطة الاستثمارات الجهوية، بينما تُعلن الجهات عن “عدالة مجالية” لا يلمسها سكان المدينة إلا في الخطابات؟
إجماع “بروتوكولي”.. أم توافق على “توزيع الغنيمة”؟
لم يكن “الإجماع” الذي صادف به المجلس على مشاريع الدورة مجرد تعبير عن قناعة مشتركة بفعاليتها، بل بدا للعيان وكأنه “تصفيق إلزامي” في قاعة مغلقة، بعيداً عن أي نقاش نقدي حول أولويات الجهة أو معايير توزيع الاستثمارات.
فبينما يُعلن عن اتفاقيات شراكة لتدبير النقل المدرسي بشفشاون، ومركز للابتكار، ومناطق للأنشطة الاقتصادية بالحسيمة وشفشاون، ومستشفى للأمراض العقلية بطنجة، ومنتزه غابوي بالفحص-أنجرة، يظل السؤال الجوهري معلقاً: كم من هذه المشاريع “المصادق عليها” في دورات سابقة قد رأى النور فعلياً؟
وتكرار “المصادقة على الوعود” دون محاسبة على “التنفيذ الفعلي” يُحوّل دورات المجلس من “فضاء للتدبير المسؤول” إلى “مسرحية سنوية” تُعيد إنتاج نفس السيناريو: وعود براقة على الورق، وواقع ميداني يخلو من أي أثر ملموس.
تطوان: المدينة “المنسية” في خريطة التنمية الجهوية
في مفارقة مؤلمة، تبرز مدينة تطوان كـ”الضحية الصامتة” لهذه الدينامية التنموية المعلنة، فبينما تستحوذ طنجة على الحظوة في المشاريع الكبرى (المستشفى الجامعي، الشركة الجهوية للتحول الرقمي)، وتستفيد الحسيمة وشفشاون من مناطق الأنشطة الاقتصادية والدراسات السياحية، تظل تطوان “مستبعدة بشكل منهجي” من أي استثمار جهوي ذي أثر.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل أصبحت تطوان “مدينة درجة ثانية” في جهة تحمل اسمها؟ وأي “عدالة مجالية” هذه التي تُغيب مدينة عانت وتُعاني من تفاقم الفقر والهشاشة الاجتماعية في أحيائها الشعبية، وهجرة التجار والمستثمرين نحو مدن أخرى بسبب تعقيدات الإجراءات الإدارية وارتفاع الضغط الجبائي، وتدهور المنطقة الصناعية بالسحتريين التي تحولت من “قطب تنموي واعد” إلى “اسم بلا روح”، كما يصفها الفاعلون المحليون، بالإضافة إلى غياب مشاريع بنيوية تُنعش النسيج الاقتصادي وتُشغّل الشباب.
واستمرار هذا الإقصاء لا يُفسر إلا بـ”محسوبية جغرافية” أو “حسابات سياسية ضيقة” تُقدّم مصالح فئات على حساب تنمية مدينة بأكملها.
مشاريع “تتكرر كل سنة”: وعود أرشيفية بدون تنفيذ
لا يحتاج المتتبع للشأن المحلي بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة إلى جهد كبير للتحقق من مصداقية “المشاريع المصادق عليها”، فبالعودة إلى تصريحات رئيس المجلس عمر مورو في دورات سابقة، نجد أن نفس العناوين تُعاد إنتاجها سنة بعد سنة.
فمركز الابتكار وُعد به في 2023، وصودق على “تحديثه” في 2024، وها هو يُصادق على “تطويره” في 2026.. أين هو على الأرض؟ ومناطق الأنشطة الاقتصادية بالحسيمة وشفشاون أُعلن عنها في ولايات سابقة، لماذا لم تُنجَز بعد؟ ومحطات الشتاء بإقليمي الحسيمة وشفشاون ظلت “دراسات” لسنوات، متى تتحول إلى واقع؟
إن هذا النمط من “إعادة تدوير الوعود” لا يعكس فقط ضعفاً في التدبير، بل يُرسّخ ثقافة “الإفلات من المحاسبة”، حيث يُكافأ المسؤول على “كثرة المصادقات” لا على “جودة التنفيذ”.
من يحمي تطوان من “اللامبالاة المؤسسية”؟
في ظل هذا الواقع، يبرز سؤال وجودي: من يرفع صوت تطوان داخل مجلس الجهة؟ وأين هي النخبة السياسية والاقتصادية للمدينة من الدفاع عن حقوقها في تنمية عادلة؟
إن صمت ممثلي تطوان في المجلس، أو انخراطهم في “ثقافة الإجماع” دون نقد، يُفاقم من شعور السكان بـ”التهميش الممنهج”. فكيف يمكن لمدينة أن تتطور إذا كان ممثلوها في المؤسسات الجهوية يكتفون بـ”التصفيق” على قرارات تُقصي مدينتهم؟
والسؤال الأكثر إيلاماً: إلى متى ستستمر تطوان في دفع ثمن “الصمت السياسي”؟ وأي “مسؤولية” هذه التي تسمح بتحويل مدينة تاريخية واقتصادية كبرى إلى “هامش” في جهة تحمل اسمها؟
من “المصادقات” إلى “المحاسبة بالنتائج”
لم يعد مقبولاً أن تُدار جهة بحجم طنجة-تطوان-الحسيمة بـ”عقلية الوعود الأرشيفية”. ما يحتاجه المواطنون اليوم هو نشر تقرير دوري وشفاف حول نسبة إنجاز المشاريع المصادق عليها في الدورات السابقة، مع تحديد أسباب التأخير والمسؤولين عنه، واعتماد معايير موضوعية في توزيع الاستثمارات الجهوية، تقوم على مؤشرات الفقر، والبطالة، والحاجة التنموية، لا على “الحظوات السياسية”.
كما يتطلب الأمر إشراك فاعلي المجتمع المدني والنخب الاقتصادية لتطوان في تصميم المشاريع الموجهة للمدينة، لضمان ملاءمتها للواقع، ومراجعة منظومة تتبع المشاريع، عبر لجان مستقلة تُقيّم الأداء بالنتائج الميدانية، لا بـ”عدد الاتفاقيات الموقعة”، بالإضافة إلى فتح حوار جهوي حقيقي حول “أزمة تطوان”، للخروج بخطة استعجالية لإنعاش اقتصاد المدينة ووقف نزيف هجرة الكفاءات والاستثمارات.
إما تنمية عادلة.. وإما استمرار في “ثقافة الإقصاء”
ما تعيشه جهة طنجة-تطوان-الحسيمة مع دورة مارس 2026 ليس “خلافاً إجرائياً عابراً”، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الجهوية وقدرة المجلس على تجاوز “منطق المحاصصة الجغرافية” لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحرك قيادة المجلس، وعلى رأسها عمر مورو، بجدية لتصحيح المسار، وضمان عدالة في توزيع المشاريع، ومحاسبة المقصرين في التنفيذ، وإما أن تستمر “ثقافة الإقصاء” التي تُحوّل تطوان إلى “مدينة أشباح” في خريطة التنمية، وتُهدر ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
سكان تطوان ينتظرون، والتنمية ليست “شعاراً” يُرفع في قاعات مغلقة، فإما عدالة مجالية تُنقذ المدينة، وإما استمرار في “اللامبالاة المؤسسية” التي تُعمّق الفجوات وتُضيع المستقبل.