هبة زووم – علال الصحراوي
مرة أخرى، تعود مدينة مراكش لتقدم نموذجاً غريباً في تدبير الشأن المحلي، نموذجاً يصل أحياناً إلى درجة “العبث الإداري” الذي يصعب تفسيره بأي منطق هندسي أو قانوني.
فالمجلس الجماعي، الذي يبدو أنه ما زال يبحث عن برنامج عمل حقيقي يليق بمدينة بحجم وتاريخ مراكش، يقدم بين الفينة والأخرى مشاهد تدعو للاستغراب أكثر مما تدعو للإعجاب، في مشهد يعكس أزمة ثقة بين المنتخبين والساكنة.
في كل مدن العالم، وحتى في أبسط القرى، تُعد ممرات الراجلين من أبسط عناصر السلامة الطرقية، لأنها تساعد على تنظيم المرور وحماية المشاة، والتقليل من الحوادث.
ويكفي طلاء واضح بجودة جيدة، حتى تقوم هذه الممرات بدورها في تنظيم السير والجولان داخل المدن، لكن في مراكش، يبدو أن الأمر مختلف تماماً، حيث تحولت هذه الممرات إلى مادة للسخرية بدلاً من أن تكون أداة للسلامة.
فالخطوط التي يفترض أن تحذر السائقين وتوجههم، أصبحت وكأنها رُسمت بلا تدقيق أو فهم للمعايير التقنية الأساسية، وهو ما يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه محرج: من راقب الأشغال؟ ومن صادق على هذه الصباغة؟ ومن استلمها رسمياً باسم الجماعة؟
الأمر لا يتعلق بجمالية المدينة فقط، بل بسلامة المواطنين، فاختفاء أو سوء رسم ممرات الراجلين، يمكن أن يشكل خطرًا حقيقيًا على المشاة، خاصة الأطفال والتلاميذ الذين يعتمدون عليها لعبور الطريق بأمان، وعندما تظهر الإشارات البيضاء “مقلوبة” أو مشوهة، فإن ذلك يعكس استخفافاً صريحاً بأبسط قواعد الهندسة الطرقية.
وإذا كان من الطبيعي أن تعرف المدن أشغال تهيئة، فمن غير الطبيعي أن تتحول هذه الأشغال إلى مادة للسخرية في الشارع. فالمواطن الذي يرى خطوط الطريق مقلوبة، سيطرح سؤالاً بسيطاً: هل نحن أمام مشروع تهيئة أم تجربة في فن العبث الحضري؟
المفارقة أن هذه الأشغال لا تتم في الخفاء، بل في وضح النهار، وأمام أعين المنتخبين والمسؤولين المحليين، ومع ذلك تمر الأخطاء، كما لو أنها تفاصيل عادية، رغم أنها تمس أبسط قواعد الهندسة الطرقية.
إن ما يحدث في بعض شوارع مراكش يكشف، مرة أخرى، مشكلة أعمق تتعلق بفلسفة “القالب الجاهز”، حيث تُقدم المشاريع للساكنة في غلاف برياق، لكن الجوهر يفتقر لأدنى معايير الجودة، فيمثل حكاية “الزواق الذي يطير والقالب الذي يبقى”.
ما يحدث اليوم لا يتعلق فقط بالمظهر العام، بل يتعلق بأرواح البشر، فسوء تنفيذ ممرات الراجلين في مراكش لا يُهدد فقط “النظام المروري”، بل يُحوّل عبور الأطفال للتلاميذ إلى مغامرة يومية قد تكلفهم غالياً.
فحين يرى طفل خطاً أبيض “مشوهاً” أو “مقلوباً”، كيف يمكنه أن يثق في أنه “منطقة آمنة” للعبور؟ وأي “مسؤولية” هذه التي تسمح ببقاء مدينة سياحية كبرى مثل مراكش في هذا الوضع؟ إن تحويل “ممرات المشاة” من “أداة سلامة” إلى “رسمة هزلية” لا يُعد فقط إهداراً للمال العام، بل هو استخفاف بأرواح المواطنين الذين يدفعون ضرائبهم ليتنقلوا في أمان.
وما يُفاقم من خطورة هذه الفضيحة هو الصمت المطبق للمسؤولين المحليين والمنتخبين في مراكش، فبينما يُفترض أن يتدخل المجلس الجماعي لتصحيح الأخطاء فور اكتشافها، ومحاسبة المقاولين المقصرين، وتعزيز آليات الرقابة على الأشغال، يبدو أن الخيار هو “المراقبة من بعيد”، أو ربما “التغطية المتعمدة”.
هذا “الصمت الإداري” لا يُفسر إلا بطريقتين: إما عجز هيكلي عن التحكم في جودة الأشغال وفرض احترام المعايير التقنية، وإما تواطؤ ضمني مع “ثقافة الإنجاز السريع” التي تُقدّم “الكم” على “الكيف”، وفي كلتا الحالتين، فإن المواطن هو الخاسر الأكبر، وسلامة الأطفال هي الضحية الأولى.
لم يعد مقبولاً اليوم أن تُترك فضيحة بحجم “ممرات المشاة المقلوبة” في مراكش دون محاسبة أو تصحيح، ما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن المحلي اليوم هو تدخل عاجل من المجلس الجماعي لتصحيح جميع ممرات الراجلين المعيبة، مع نشر لائحة بالأماكن المتضررة والجدول الزمني للإصلاح.
كما يتطلب الأمر فتح تحقيق إداري حول ظروف استلام هذه الأشغال، وتحديد المسؤوليات في “التقصي” عن الأخطاء الواضحة، بالإضافة إلى مراجعة منظومة الرقابة على الأشغال الحضرية، مع إشراك خبراء مستقلين في لجان الاستلام لضمان احترام المعايير التقنية.
في الأخير، يمكن القول على أن ما تعيشه مراكش مع “فضيحة ممرات المشاة” ليس “خللاً تقنياً عابراً”، بل هو اختبار لمصداقية التدبير الحضري وقدرة المسؤولين على تجاوز “عقلية القالب الفارغ” لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحرك السلطات المحلية بجدية لتصحيح المسار، وضمان جودة الأشغال، ومحاسبة المقصرين، وإما أن تستمر “ثقافة العبث” التي تُحوّل مراكش من “لؤلؤة الجنوب” إلى “ورشة هزلية” وتُهدر ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
وفي الأخير، نهمس في أذن عمدة مراكش على أن الممرات ليست “رسومات هزلية” والمال العام ليس “غنيمة” تُهدر وحياة المواطنين ليست “تفصيلاً” في معادلة العبث الحضري.
تعليقات الزوار