هبة زووم – طاطا
يبدو أن حالة الاحتقان داخل قطاع الصحة بإقليم طاطا بلغت مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما قرر المكتب الإقليمي للنقابة المستقلة للممرضين وتقنيي الصحة إنهاء هدنة دامت قرابة سنتين، كانت خلالها الشغيلة التمريضية تراهن على الحوار والتواصل وإعطاء الفرصة الكافية لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية من أجل تسوية ملف التعويضات العالقة.
غير أن ما تعتبره النقابة “سياسة تسويف وتأجيل للحقوق” دفعها إلى استئناف برنامجها النضالي، في خطوة تعكس حجم الإحباط الذي تراكم لدى الممرضين وتقنيي الصحة نتيجة استمرار صرف الوعود دون ترجمتها إلى إجراءات عملية على أرض الواقع.
فخلال السنتين الماضيتين، اختارت الشغيلة التمريضية بطاطا تغليب المصلحة العامة وتعليق الإضرابات والاحتجاجات، حفاظاً على استمرارية الخدمات الصحية وتجنباً لأي تأثير سلبي على المرضى والمرفق العمومي.
لكن المقابل، حسب النقابة، كان استمرار تجاهل الملفات العالقة، وعلى رأسها تعويضات الحراسة لسنة 2023، وتعويضات النقل الصحي بالمراكز الصحية، وتعويضات العاملين بمصلحة الأشعة خلال فترة جائحة كوفيد-19.
وتطرح هذه الوضعية أسئلة حقيقية حول مدى انسجام الخطاب الرسمي المتعلق بإصلاح المنظومة الصحية مع الواقع الذي تعيشه فئات واسعة من مهنيي القطاع. فكيف يمكن الحديث عن تحفيز الموارد البشرية الصحية وضمان انخراطها في أوراش الإصلاح الكبرى، في الوقت الذي ما تزال فيه حقوق مالية مستحقة تنتظر التسوية منذ سنوات؟
الأكثر إثارة للقلق أن هذه الأزمة تأتي في سياق الاستعداد للتنزيل الفعلي للمجموعة الصحية الترابية بجهة سوس ماسة، وهي إحدى الركائز الأساسية للإصلاح الصحي الجاري. إذ يصعب إقناع الأطر التمريضية بالانخراط الكامل في هذا الورش الاستراتيجي، بينما تشعر بأن حقوقها الأساسية ما تزال معلقة بين الوعود والتأجيلات الإدارية.
إن جوهر الأزمة اليوم لا يتعلق فقط بمبالغ مالية أو تعويضات متأخرة، بل بمسألة الثقة. فحين تتكرر الوعود الرسمية دون تنفيذ، وحين تستمر الملفات عالقة رغم المراسلات واللقاءات المتعددة، فإن ذلك يضعف الثقة في المؤسسات ويغذي الشعور بالإحباط داخل صفوف العاملين الذين تحملوا أعباء جسيمة خلال جائحة كورونا وساهموا في ضمان استمرارية الخدمات الصحية في ظروف استثنائية.
كما أن استمرار هذا الوضع قد تكون له انعكاسات تتجاوز حدود إقليم طاطا، لأن نجاح أي إصلاح صحي يبقى رهيناً بمدى اقتناع المهنيين به وشعورهم بأن حقوقهم مصونة ومكانتهم محفوظة.
أما الإصلاح الذي يقوم على مطالبة الموارد البشرية ببذل المزيد من الجهد دون معالجة ملفاتها العالقة، فإنه يظل معرضاً لفقدان أحد أهم شروط نجاحه.
واليوم، ومع إعلان النقابة استئناف برنامجها النضالي، تجد وزارة الصحة نفسها أمام اختبار حقيقي. فإما الانتقال من منطق الوعود إلى منطق التنفيذ، ومن لغة الالتزامات النظرية إلى القرارات العملية، وإما مواجهة مزيد من الاحتقان داخل قطاع يعتبر العمود الفقري لأي إصلاح صحي جاد.
لذلك فإن معالجة هذا الملف لم تعد مجرد استجابة لمطلب فئوي، بل أصبحت ضرورة لضمان الاستقرار الاجتماعي داخل المؤسسات الصحية، وإعادة بناء جسور الثقة بين الإدارة المركزية والشغيلة التمريضية التي تشكل إحدى أهم ركائز المنظومة الصحية الوطنية.
تعليقات الزوار