الفنيدق.. حين يحاصر المسؤولون البحر ويتركون التجار يواجهون الكساد؟

هبة زووم – حسن لعشير
في الفنيدق، لا يبدو أن الصيف يأتي محمّلاً بالانتعاش كما ينتظره أهل المدينة، بل يأتي محمّلاً بأسئلة جديدة حول جدوى التدبير المحلي، وحول مدينة يفترض أن تستفيد من موقعها الجغرافي وشريطها الساحلي، فإذا بها تستقبل موسم الاصطياف خلف سياجات حديدية تحجب البحر عن جزء من زوارها وتزيد من اختناق رواجها التجاري.
الفنيدق ليست مدينة عادية. إنها مدينة ظلت لعقود مرتبطة بالحركة التجارية والسياحية، وكان الصيف بالنسبة إلى تجارها وعموم الساكنة فرصة لالتقاط الأنفاس وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي بعد سنوات من التحولات والضغوط. ولذلك، فإن انتظار فصل الصيف لم يكن بالنسبة إلى أبناء المدينة مجرد انتظار لارتفاع درجات الحرارة، وإنما انتظار لموسم يمكن أن تعود فيه الحياة إلى الشوارع والأسواق والمقاهي والمحال التجارية.
لكن يبدو أن حسابات الواقع شيء آخر، فبدل أن تتحول الواجهة البحرية إلى رافعة للرواج والتنمية، يجد المواطن والزائر نفسه أمام سياج حديدي يمتد على طول الشاطئ، في مشهد يطرح أكثر من سؤال حول فلسفة هذا الإجراء، وحول ما إذا كانت الجهات التي اتخذته قد وضعت في الحسبان انعكاساته على الحركة السياحية والتجارية وعلى صورة المدينة نفسها.
هل يعقل أن تستقبل مدينة ساحلية موسم الصيف بمنع الناس من الوصول إلى البحر؟ السؤال مشروع، خصوصاً عندما تكون المدينة في أمسّ الحاجة إلى كل زائر وكل درهم ينفقه المصطاف داخل محلاتها ومطاعمها ومقاهيها وأسواقها.
فالتاجر الصغير في الفنيدق لا يعيش على الشعارات، ولا ينتظر بيانات تتحدث عن التنمية، وإنما ينتظر زبوناً يدخل محله، ومصطافاً يتجول في المدينة، وعائلة تختار الفنيدق وجهة لقضاء عطلتها، أما حين تصبح الحركة السياحية محاصرة بإجراءات تجعل الوصول إلى الشاطئ أكثر صعوبة أو تحد من جاذبية الواجهة البحرية، فإن السؤال ينتقل تلقائياً من “ماذا فعل المسؤولون؟” إلى “هل فكر المسؤولون أصلاً في أثر ما فعلوه؟”.
المفارقة أن الحديث الرسمي عن التنمية السياحية وتشجيع الاستثمار وإنعاش الاقتصاد المحلي يتقاطع هنا مع واقع يبدو في الاتجاه المعاكس، مدينة تبحث عن إنعاش تجارتها، ثم تجد واجهتها البحرية محاطة بالسياج، مدينة تراهن على السياحة، ثم تواجه الزائر بإجراءات قد تدفعه إلى تغيير وجهته، تجار ينتظرون الصيف لإنقاذ موسمهم، فإذا بالصيف نفسه يتحول إلى مناسبة جديدة لطرح علامات الاستفهام.
وهنا لا يتعلق الأمر برفض التنظيم أو الاعتراض على أي إجراء تفرضه ضرورات الأمن أو السلامة أو التدبير. فالقانون والتنظيم مطلوبان، وحماية المواطنين والزوار مسؤولية لا يمكن التهاون فيها. لكن التنظيم شيء، وتحويل الفضاءات الحيوية إلى حواجز مغلقة شيء آخر.
إذا كانت هناك أسباب أمنية أو تقنية أو تنظيمية تفرض إقامة هذه السياجات، فمن حق المواطنين أن يعرفوا: ما هي هذه الأسباب؟ وما مدتها؟ وهل توجد بدائل أقل تأثيراً على الحركة السياحية والتجارية؟ فالشفافية في مثل هذه القرارات ليست ترفاً، بل جزء من الحكامة.
والأخطر أن الفنيدق تعيش أصلاً على وقع تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، بعدما فقدت المدينة جزءاً مهماً من ديناميتها التجارية التقليدية. ولذلك، فإن كل قرار يؤثر على تدفق الزوار أو على النشاط التجاري ينبغي أن يخضع لحساب دقيق للكلفة والنتائج.
لا يمكن أن تكون التنمية مجرد مشاريع على الورق، بينما يظل التاجر الصغير يحسب خسائره في نهاية كل موسم، ولا يمكن أن نتحدث عن مدينة سياحية ونترك الواجهة البحرية، وهي إحدى أهم مؤهلاتها الطبيعية، تتحول إلى فضاء يبعث برسائل سلبية إلى الزائر.
ثم إن المسؤولية هنا لا تقع على عاتق جهة واحدة فقط. فالسلطات المحلية والمجالس المنتخبة والمصالح المعنية بالسياحة والتهيئة والنشاط التجاري مطالبة جميعها بالتنسيق، لأن المواطن لا يهمه في النهاية من اتخذ القرار بقدر ما يهمه أثر القرار على حياته اليومية وعلى رزقه وعلى مدينته.
الفنيدق لا تحتاج إلى مزيد من الحواجز بقدر ما تحتاج إلى حواجز أمام الفوضى، لا أمام البحر؛ وحواجز أمام الإهمال، لا أمام الرواج؛ وحواجز أمام سوء التدبير، لا أمام المواطن والزائر.
وإذا كانت السلطات تريد فعلاً إنعاش المدينة، فعليها أن تنزل إلى الميدان، وأن تجلس مع التجار والمهنيين والساكنة، وأن تستمع إلى شكاياتهم واقتراحاتهم، وأن تشرح لهم بوضوح خلفيات الإجراءات المتخذة، بدل ترك المجال مفتوحاً للتأويلات والشعور بأن المدينة تدفع وحدها ثمن قرارات لا يعرف أصحابها حجم انعكاساتها.
الفنيدق ليست مدينة هامشية حتى تُدار بمنطق الانتظار، وليست مجرد نقطة على الخريطة حتى يتم التعامل مع موسمها السياحي وكأنه تفصيل ثانوي، إنها مدينة مغربية ذات موقع استراتيجي، وواجهة متوسطية، وساكنة لها الحق في أن ترى موقعها الجغرافي يتحول إلى فرصة للتنمية، لا إلى سبب إضافي للأزمة.
أما أن ينتظر المواطن الصيف أملاً في تحريك تجارته، ثم يجد البحر خلف سياج، والأسواق تنتظر الزبون، والتاجر ينتظر الفرج، فذلك ليس هو الإقلاع الذي تتحدث عنه الخطابات.
الفنيدق اليوم لا تسأل عن الوعود، بل عن النتائج. ولا تريد مزيداً من التبريرات، بل تريد أن تعرف: من يقرر؟ ولماذا؟ ومن يتحمل مسؤولية انعكاس هذه القرارات على اقتصاد المدينة وساكنتها؟ فإذا كان السياج ضرورياً، فليُشرح ضرورته، وإذا كان مؤقتاً، فليُعلن عن مدته، وإذا كان له بديل، فليُبحث عنه.
أما أن يصبح الحديد هو اللغة الوحيدة التي تتحدث بها الإدارة مع البحر والمواطن والتاجر، فهنا لا بد من السؤال عن حكامة القرار قبل الحديث عن تنمية المدينة”.
الفنيدق يا مسؤولينا المحترمين تستحق أكثر من أن تنتظر الصيف لتكتشف أن موسم الرواج قد يتحول، بسبب سوء التقدير، إلى موسم جديد من الكساد.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد