هبة زووم – الرباط
لم يُسدل نشر القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة في الجريدة الرسمية الستار على واحدة من أكثر المواجهات المهنية حدة بين المحامين والسلطات الحكومية، بل يبدو أن دخول النص حيز التنفيذ فتح، وفق الخطاب الصادر عن عدد من ممثلي الجسم المهني، مرحلة جديدة من الصراع حول مستقبل المهنة وحدود استقلاليتها وضمانات ممارستها.
وفي هذا السياق، خرج نقيب هيئة المحامين بالرباط، عزيز رويبح، برسالة قوية إلى المحامين والمحاميات، أكد فيها أن نشر القانون الجديد لا يعني نهاية المعركة، ولا يمثل، من وجهة نظره، سبباً للاستسلام أو إعلان الهزيمة.
رويبح تحدث بلغة تكشف حجم الاحتقان الذي خلفه مسار إعداد القانون الجديد داخل صفوف المحامين، معتبراً أن المهنة تعرضت خلال السنوات الأخيرة لما وصفه بـ”الضربات المتوالية”، التي مست، بحسب تعبيره، تاريخ المحاماة وحاضرها ومستقبل الأجيال القادمة.
ولم يخف نقيب الرباط مرارة ما يعتبره الجسم المهني فشلاً في الوصول إلى نص تشريعي يحظى بتوافق واسع، مشدداً على أن المحامين خاضوا نضالهم، بحسب قوله، انطلاقاً من إيمانهم بدستور يكرس الحقوق والحريات، ويعزز ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع واستقلال مختلف مكونات منظومة العدالة.
رسالة رويبح لا تخلو من إعلان واضح عن استمرار المواجهة، لكنها في المقابل تحاول رسم حدود المرحلة المقبلة، فالنقيب أكد أن المحامين ليسوا، بحسب تعبيره، “عدميين” إلى درجة تجاهل الواقع الذي فرضه دخول القانون حيز التنفيذ، كما أنهم ليسوا “مغامرين” يدفعون نحو العصيان، ولا مستعدين في الوقت ذاته للتعامل مع ما جرى باعتباره هزيمة تستوجب الانسحاب والاستسلام.
وبين الاستسلام والمواجهة المفتوحة، يطرح رويبح خياراً ثالثاً: مواصلة النضال عبر الوسائل المشروعة والآليات القانونية والمؤسساتية المتاحة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ما الذي تبقى للمحامين بعد صدور القانون ونشره رسمياً؟ وهل ستنتقل المعركة إلى المؤسسات القضائية والدستورية، أم إلى مواجهة ميدانية جديدة بأشكال احتجاجية مختلفة؟
ما تكشفه تصريحات نقيب هيئة الرباط هو أن الخلاف لم يعد يتعلق فقط ببعض المواد والمقتضيات القانونية، بل أصبح يعكس أزمة ثقة حقيقية بين جزء من الجسم المهني والجهات التي أشرفت على إخراج النص.
فرويبح تحدث عن أبواب أغلقت، ومواقف تغيرت، ومسار تفاوضي لم يؤد، بحسب تقييمه، إلى النتيجة التي كان ينتظرها المحامون، وهي اتهامات سياسية ومهنية تستوجب، في المقابل، توضيحاً من الجهات الحكومية المعنية بشأن المسار الذي انتهى إلى اعتماد القانون بصيغته النهائية.
لكن المؤكد أن نشر النص في الجريدة الرسمية لا يلغي الجدل الذي سبقه، فالقوانين، حتى بعد دخولها حيز التنفيذ، تبقى قابلة للنقاش والتقييم والنقد والمطالبة بتعديل مقتضياتها عبر القنوات والمؤسسات التي يحددها الدستور والقانون.
في رسالته، أعاد رويبح التأكيد على فكرة مركزية في خطاب المحامين المحتجين، مفادها أن الدفاع عن المحاماة ليس دفاعاً عن امتيازات فئوية ضيقة، بل عن موقع المهنة داخل منظومة العدالة وضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم في قدرة مختلف الأطراف على الانتقال من منطق القطيعة والتصعيد إلى نقاش مؤسساتي جاد حول المقتضيات التي أثارت اعتراض المحامين، لأن استقلال الدفاع ليس قضية تخص المحامين وحدهم، بل يرتبط في النهاية بحق المواطن في الولوج إلى عدالة تتوفر فيها ضمانات المحاكمة العادلة.
وبعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ، يبدو أن صفحة الاحتجاج السابقة قد أغلقت قانونياً، لكن الصفحة المهنية لم تُطوَ بعد، فالمحامون، كما يقول نقيب الرباط، لم يعلنوا الاستسلام، والمعركة التي بدأت دفاعاً عن استقلال المهنة وكرامتها ستتواصل، ولكن هذه المرة بأدوات جديدة وفي مرحلة مختلفة، عنوانها الأكبر: كيف سيواجه الجسم المهني قانوناً أصبح واقعاً تشريعياً؟
تعليقات الزوار