هبة زووم – بولمان
بينما كانت السلطات الإقليمية ببولمان تؤكد، قبل انطلاق الحملة الانتخابية، على ضرورة الالتزام بالحياد وتكافؤ الفرص بين مختلف المتنافسين، تعود إلى الواجهة، في يوم الاقتراع، شكايات واتهامات منسوبة إلى عدد من وكلاء اللوائح الانتخابية، تتحدث عن ممارسات يُشتبه في تأثيرها على التنافس الانتخابي.
الموضوع هذه المرة لا يتعلق بخلاف عادي بين المرشحين، وإنما يضع حياد الإدارة نفسها تحت المجهر، بعدما تحدثت إفادات متداولة عن دعم مزعوم من طرف عامل إقليم بولمان، علال الباز، لفائدة مرشح محسوب على حزب الأصالة والمعاصرة.
وهي ادعاءات، إذا صحت، فإنها تطرح سؤالاً بالغ الحساسية حول الحدود الفاصلة بين التدبير الإداري للعملية الانتخابية وبين التأثير غير المشروع في اتجاهات الناخبين.
والأكثر إثارة في هذه القضية أن العامل الباز نفسه كان قد ترأس، عشية انطلاق الحملة الانتخابية، لقاءً تواصلياً مع وكلاء اللوائح وممثليهم، بحضور وكيل الملك ورئيس قسم الشؤون الداخلية وعدد من المسؤولين، حيث جرى التشديد على الحياد وتكافؤ الفرص واحترام القواعد المؤطرة للاستحقاق.
كما أن جولات العامل الميدانية، عشية الاقتراع ويومه، قُدمت باعتبارها جزءاً من الاستعدادات التنظيمية لضمان سير العملية في ظروف ملائمة، مع التأكيد على الالتزام بالحياد والشفافية.
وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي تستحق التوضيح: إذا كانت الإدارة تعلن الحياد، فمن أين جاءت هذه الاتهامات؟ ومن يقف وراء الحديث عن تدخل لفائدة مرشح بعينه؟ وهل يتعلق الأمر بمجرد صراع انتخابي واتهامات متبادلة، أم أن هناك وقائع مادية يمكن التحقق منها؟
الخطير في مثل هذه الادعاءات ليس فقط احتمال تأثيرها على نتائج المنافسة، وإنما أثرها المباشر على الثقة في العملية الانتخابية برمتها.
فالمرشحون يمكنهم أن يتنافسوا، وأن يوجه بعضهم الانتقادات إلى بعض، وأن يشتكوا من ممارسات منافسيهم، لكن الإدارة يفترض أن تظل في موقع الحكم المحايد، لا أن تصبح، ولو في نظر المتنافسين، طرفاً في المعركة.
ومن هنا، فإن الحديث عن ما يسميه البعض في الكواليس «مرشح السلطة» لا ينبغي أن يتحول إلى حقيقة إعلامية دون أدلة، لكنه في الوقت نفسه لا يجوز أن يُدفن تحت عنوان «مجرد إشاعات» إذا كانت هناك شكايات رسمية أو وقائع قابلة للتحقق.
المطلوب هو التحقيق، فإذا كانت هناك شكايات موثقة، أو تسجيلات، أو شهادات متعددة، أو وقائع محددة تتعلق باستعمال النفوذ الإداري لفائدة مرشح أو حزب، فإن الجهات المختصة مطالبة بالتحقق منها والاستماع إلى جميع الأطراف وترتيب الآثار القانونية عند ثبوت المخالفات.
أما إذا كانت الاتهامات بلا أساس، فإن أبسط مقتضيات الشفافية تقتضي أيضاً توضيح ذلك، حمايةً لسمعة الإدارة ولنزاهة الاستحقاق الانتخابي.
وتزداد حساسية الملف بالنظر إلى أن القانون الانتخابي يضع قواعد واضحة لتأطير العملية الانتخابية، فيما تخضع حسابات الحملات ومخالفاتها لآليات رقابية وقانونية متعددة، وهو ما تؤكده النصوص الانتخابية وتقارير المجلس الأعلى للحسابات.
فالانتخابات ليست فقط صناديق اقتراع وأوراقاً وأرقاماً؛ إنها أيضاً اختبار لمدى قدرة الإدارة على الوقوف على المسافة نفسها من جميع المتنافسين.
وفي بولمان، لا يكفي أن تقول السلطة إنها محايدة، بل ينبغي أن يكون الحياد محسوساً ومرئياً وقابلاً للتحقق بالنسبة إلى كل المرشحين.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من سيدعم من؟ وإنما: هل كانت الإدارة، في كل مراحل هذه العملية الانتخابية، على المسافة نفسها من جميع المرشحين؟
وإذا كانت هناك جهة أو مرشح يملك معطيات تدعم اتهاماته، فالمسار الصحيح هو تقديمها إلى الجهات المختصة، لا الاكتفاء بالتداول في الكواليس.
أما إذا ثبت، بعد التحقيق، وجود تدخل إداري لفائدة مرشح بعينه، فالأمر لن يكون مجرد “هفوة انتخابية”، بل قضية تمس جوهر مبدأ تكافؤ الفرص وثقة المواطنين في المؤسسات.
وفي المقابل، إذا لم تثبت هذه الادعاءات، فإن من حق الإدارة أيضاً أن تحصل على توضيح ينهي الجدل ويضع حداً لما قد يتحول إلى تشكيك غير مؤسس.
وبين خطاب الحياد ومزاعم الانحياز، تبقى الحقيقة وحدها القادرة على حسم الجدل.. والحقيقة في الانتخابات لا تحتاج إلى بيانات، بل إلى وقائع قابلة للتحقق.
تعليقات الزوار