الرياضة والسياسة (4)
حميد طولست
لقد باتت تدخلات السياسة والسياسيين في الرياضة واستغلال الرياضيين و جمعياتهم وتجمعاتهم ، لخدمة مصالحهم الخاصة ، لمن العلل اللاأخلاقية التي استشرت في المجتمع المغربي ، وعرت جوانب كثيرة من الامية والجهل الراسخين لدى أطياف كثيرة منه.
.
.
خاصة في ميدان كرة القدم اللعبة الأكثر شعبية بين كل الرياضات ، من طرف تجار الانتخابات ومرشحي المنفعة الذاتية ، الذين لا يعتبرون قطاعها إلا مجرد لهو ولعب وتسلية ، ويصنفونها في آخر مراتب اهتماماتهم ، وقلما يدرجونها في جداول أعمالهم ومشاريعهم الخاصة ، وإن فعلوا ذلك – ولا يفعلونها في الغالب الاعم إلا ابان مواسم الانتخابات – فلا تكون سوى وعودا عرقوبية في آخر نقط جداولهم السياسية الجاهلة أو المتجاهلة لدور كرة القدم المعاصرة المتطورة والمتقدمة ، ومساهماتها الكبيرة والفعالة في التنمية الاقتصادية للكثير من الدول كالبرازيل الأرجنتين ، على سبيل المثال لا الحصر ، والتي فاقت فيها عائدات كرة القدم ، كل العائدات حتى البترولية منها .
وكما يظهر ذلك جلياً من البرامج الانتخابية والسياسية المستقبلية لغالبية المترشحين -الذين صنعتهم الأحزاب السياسية -الذين سرعان ما يتخلون ، مع اللأسف الشديد ، ومباشرة بعد حصولهم على المنضب المنشود ، عن التزاماتهم وأدوارهم كممثلين للمواطنين ، ويخلفون وعودهم ، و لا تحترم غالبيتهم ، وفي جل المدن المغربية كلما سنته المواثيق ووضعه المشرع من قوانين لرسم أفاق رياضية متطورة ومتقدمة .
.
ــ ومع كل هذا وذاك ، فلا يجب أن نستغرب تدخل السياسة في الشؤون الرياضية في بلادنا إطلاقاً ، لأن ذلك مورس في كل بلدان المعمور ومند القدم – مع فارق بسيط وخطير جدا ، هو ان الفائدة في ذلك عندهم تشاركية بين الطرفين هادفة إلى تحقيق التنمية الرياضية المنشودة بينما هي عندنا احادية لا يستفيد منها إلا الساسة وأحزابهم- فالحالات ذات الشهرة الرياضية في التاريخ والتي كانت لها علاقة بالسياسة كثيرة وقديمة جدا وتصعب الإحاطة بها في موضوع واحد، فقد بدأت مع العهد الروماني حيث ألغى (ثيوديوس) الألعاب الأوليمبية القديمة إلى تدخل (موسوليني) وهتلر في شؤونها، في القرن العشرين.
لذا سأقتصر على سرد بعض الوقائع التي تعطلت خلالها بطولة كأس العالم ودورة الألعاب الأوليمبية لسنوات بسبب السياسة وذرائع الحربين العالميتين، حيث استغل (موسوليني) استضافة كأس العالم سنة 1934م في إيطاليا للدعاية لنظامه الفاشي، وكذلك فعل (هتلر) مع أولمبياد برلين عام 38، وعوقبت ألمانيا المنهزمة في الحرب بتغييبها عن البطولات العالمية التي تلتها، وفي السبعينات عادت السياسة لتطل برأسها على الرياضة سواء عبر الهجوم الفدائي الفلسطيني على البعثة الإسرائيلية في أولمبياد ميونخ أو عبر المقاطعة الإفريقية لدورة موريال عام 76 بسبب التعامل مع جنوب أفريقيا العنصرية وقتذاك، وتصاعد الأمر إلى ذروته بالمقاطعة الأميركية لأولمبياد موسكو في سنة 1980، ورد الروس وحلفاؤهم على ذلك بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس بعد أربع سنوات.
ورغم محاسن الرياضة التي أعادت العلاقات بين أميركا والصين عبر دبلوماسية كرة الطاولة، كما أعادت الدفء للعلاقات الأميركية الإيرانية عبر لقاءات المصارعة وكرة القدم بين البلدين، رغم كل ذلك فإن السياسة عادت لتطل بوجهها المتجهم في وجه الصينيين الطامحين في قضية استضافة أولمبياد 2008 بكين.
ولا يمكن لأي متتبع رياضي أن تجاهل استغلال برلسكوني لكرة القدم سياسيا ، وأن نجاح نادي ميلان كان وراء اتساع شعبيته ليؤسس بعد ذلك حزبه السياسي «فورزا ايطاليا»، الذي صعد به الى رئاسة الحكومة في بلد عاشق لكرة القدم الى حد الجنون.
كما أن منعم استفاد كثيرا من دعم مارادونا حينما كان يواجه ازمات محلية، وعندما تخلى عنه النجم الشهير خسر معركة رئاسة الارجنتين.
وكان زيدان ايضا من اكبر الداعمين للرئيس شيراك خلال حملته الانتخابية عام 2002 في مواجهة الزعيم اليميني لوبان.
وأكتفي بهذه الأمثلة في هذا السياق لأخلص للقول أنه لا يكفي تنزيل القوانين التنظيمية ، وإخراج القوانين الزجرية لضمان الانتقال إلى أخلاق التقدم ، بل لابد من الاهتمام بالبعد الثقافي والسلوكيات الاجتماعية ، ، الذي هو المدخل الأساس الذي يصنع رقي الشعوب وتحضرها ونهضتها الحقيقية ، والذي لاشك يحتاج إلى مجهود جماعي كبير ، من المدرسة والأسرة والإعلام لتأطير سلوكيات المواطنين داخل المجتمع وتوجيهها نحو ما يمكن أن نسميه بـ” التمدن و التحضر والتقدم ” الذي له تأثيرات وتداعيات إيجابية على كل المجالات بما فيها المجال الرياضي وكرة القدم على وجه الخصوص وتقيها من شرور عادات التخلف والسلبية التي تؤطر سلوكيات بعض السياسيين ، المرتبطة بضعف الوعي ، والمعبرة عن المستوى الاجتماعي والثقافي الذي لا ينعم بأي مستوى من أخلاق التقدم .
.
Hamidost@hotmail.
com