اللبيرالية والإسلام

تعج مجتمعات المسلمين بكثير من الحركات والمذاهب والأفكار الهدامة التي تصادم الشرع في كثير مما تحتويه من مبادئ وأفكار؛ بل تسعى جاهدة إلى تقويض مبادئ الشريعة وسلخ المسلمين عن دينهم ولكنها ابتداءً لا تظهر ذلك المظهر المحارب للإسلام صراحةً, حيث تلبس ثوب التقدم والرقي والحضارة وتتدثر بمفاهيم الحرية والفردية والعقلانية والتسامح لتخدع بمصطلحاتها الرنانة فئام من شباب المسلمين وتتدرج في مخططاتها شيئاً فشيئاً.

ومن هذه المذاهب الهدامة التي غزت مجتمعات المسلمين ما عرف بالليبرالية, والليبرالية كلمة غير عربية تعني الحرية المطلقة, وهي مذهب فكري يرتكز على الحرية الفردية, وكانت نشأتها كردة فعل لظلم الكنيسة, والاقطاع في أوربا.

إن الليبرالية مذهب رأسمالي ينادي بالحرية الكاملة المطلقة في جميع المجالات وفي ميادين الحياة المختلفة: في السياسة والاقتصاد، والحياة الاجتماعية، والحياة الدينية والفكرية في ثورة عارمة ضد أي قيدٍ يقيد هذه الحرية ولو كان شرعاً أو ديناً.

والليبرالية كغيرها من المذاهب السياسية والاجتماعية المنحرفة تعدّ نمطاً فكرياً عاماً، ومنظومة متشابكة من المعتقدات والقيم التي تشكلت عبر قرون عدة، منذ القرن السابع عشر وقد ساهم عدد كبير من المفكرين في صياغة الفلسفة الليبرالية كان من أبرزهم، جون لوك، وآدم سميث, وجون ستيوارت مل، وجان فرانسوا فولتير، وجان جاك روسو, وأليكسيس دي توكفيل وغيرهم.

والليبرالية هو فكر منحل يقوم على أساس علماني يعظم الإنسان ويرى أنه مستقل بذاته في إدراك احتياجاته, وإذا كانت العلمانية فصل الذين عن السياسة والحكم فإن الليبرالية أشمل من ذلك تدعو إلى فصل الدين عن الحياة كلها, وتجعل للإنسان الحرية الكاملة في التصرف ومن هذا المنطلق ترعرع في ظلها الفساد والانحلال والزندقة والإلحاد.

وبعد عقود طويلة من التجربة الليبرالية العملية, ها هي المجتمعات الغربية تعاني من هذا الفكر المنحرف التي نشأ وترعرع فيها, ولم يجنِ منه زارعوه غير الانحلال والتهتك, والإلحاد, والتضارب في المعتقدات والأفكار, مما جعلهم يعيشون في فوضى عارمة على كافة الصعد الأخلاقية, والاجتماعية, والاقتصادية, والسياسية.

لقد بدأ الغزو الفكري والثقافي للبلاد العربية والإسلامية مع الحملة الفرنسية على مصر, والتي سببت حالة من الذهول لدى المصريين بسبب الفارق العلمي والمادي بينهم وبين الأوربيين, مروراً بما فعله محمد علي من نشاطات كالبعثات العلمية, وحركات الترجمة للكتب الأوربية, وظهور الطباعة, والصحافة وانتشار الإعلام والذي لعب دوراً بارزاً في التعريف بالفكر الأوربي والحياة الغربية.

وقد تسللت الليبرالية إلى البلاد الإسلامية من خلال “الجمعيات السرية” التي كونها أفراد تأثروا بالفكر الغربي وانبهروا بحضارته المادية, ولكن لم يكن هذا ليحدث بسهولة لولا وجود عوامل ساعدت على تقبل مفاهيم الليبرالية وعدم مقاومتها، وهذه العوامل هي: الانحراف العقدي، وانتشار البدع, وتفشي الجهل بالشرع, والاستبداد السياسي، والجمود والتقليد، وحملات وجهود التغريب.
هذه العوامل أوجدت أرضية متقبلة، ومناخا مناسبا للرضى بالليبرالية من قبل بعض المسلمين الذين تشربوا أفكارها.

ومع تلك العوامل التي هيئت الأرضية المناسبة لمثل هذه الأفكار المنحرفة فإن السبب المباشر لدخول الليبرالية في العالم الإسلامي هو ” الاستعمار وأذنابه ” من دعاة التغريب، والمنبهرين بالحضارة الغربية, قد ارتدت الليبرالية ثوب التقدم والرقي وحمل مشاعل الحرية, وتلقفتها بعض العقول الضعيفة التي انخدعت بدعواتها لاحترام الإنسان وتقديس العقل وفصل الدين عن السياسة فظهر الليبراليون الملحدون بل والليبراليون الإسلاميون.

ولذا فإن من واجب أهل العلم والدعاة بيان حقيقة هذه المذاهب وإظهار زيفها وكذبها وإبطال دعاويها المخالفة للإسلام حتى لا تروج أمثال هذه المذاهب والحركات بين المسلمين لجهل كثير منهم بحقيقتها.

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد