خائن من يغتصب ورود مدينتي !
حميد طولست
شيء جميلة بل رائعة ، أن ترى الناس يحملون الورد وهم عائدون إلى بيوتهم ، والأجمل منه أن يصبح الورد في بلادنا أفضل ما يقدم في كثير من المناسبات السارة والمفرحة ، لما يحمله من تعبيرات التأدب واللباقة والمجاملة ، وما يرمز إليه من الوجاهة الاجتماعية ، وقد عرفت تقليعة إهداء الورد للأهل والأصحاب والأحباب والأعزاء ، انتشارا كبيرا ، ورواجا مهما في الآونة الأخيرة خاصة بمناسبة عيد الحب .
لكن الغريب ، بل المشين والمستفز حقا ، هو أن هذا السلوك الحضري الذي دخل ثقافتنا المغربية على حين غرة ، لم يستطع أن يلغي عادة العبث بالورود والأغراس بكل أنواع في حدائقنا ، العامة والخاصة،على قلتها ، حتى غدت تتشابه جميعها في الجذب والتصحر وقبح المنظر ، ولم يقضي على ما نعيشه من تناقض مع الذات والسلوك ، بحيث أننا لا نزرع الورود في حدائق منازلنا، لمن يملك حدائق منزلية ، أو في المزهريات على شرفات نوافذنا ، أو على سطوح بيوتنا ، كما كانت تفعل جداتنا اللواتي كن يستنبتن الكثير من النباتات العطرية ، كالورد البلدي والنعناع ولحبق والسوسان والسالمية ولعطرسة ومخينزا والشيح والزعتر وفليو وخدوج الخانزة ، وغيرها من النباتات التي تعطي المحيط خضرة ونضارة وجمالا ، تستعملها في خلطاتها المضادة للبرد والحمى و”الحلاقم” الوزتين ، وغيرها كثير من الأمراض التي يتعرض لها أبنائهن والأحفاد .
.
ولكننا نقتلعها أينما تقفناها ، ومع ذلك نقدمها هدايا ذات معان رومانسية .
.
في ثنائية مستفزة ومثيرة للدهشة تؤثر سلبا على نفسية المواطنين وترغمهم على العيش في فضاءات تفتقر للخضرة التي أصبحت لا تتجاوز المترين أو الثلاثة أمتار للفرد الواحد ، النسبة البعيدة كل البعد عن معيار الإثنى عشر مترا مربعة للفرد الواحد ، الذي حددته المنظمة العالمية للصحة كنسبة طبيعية في أي تجمع سكاني ، في البلدان المتحضرة ، كما هو الحال ، مع الأسف ، في مدينة فاس التي أصبحت ساكنتها تعاني مع الحرمان من الفضاءات الخضراء ، التي يعود الموجود منها – كما يمكن لأي زائر ملاحظة ذلك من أول وهلة – إلى فترة الاستعمار ، والتي لم تواكب مجالسها المنتخبة مفهوم تخضير المدينة كما في البلدان المعاصرة .
.
وكما كانت الطبيعة , بأحسن الأحوال , بفاس عبر تاريخها الطويل ، متميزة برياضاتها وبساتينها وعراصيها ومشاتلها واشجارها المثمرة المبتوثة في كل شبر من أراضيها، وذلك حين كان لها أبناء كثر ومميزون ، سكنوا بها وسكنت بهم ، تفاخرت بهم وتفاخروا بها، في كل مكان في الدنيا ، إذا سافروا حملوها ، وإذا أقاموا نبضت عروقهم بها، وانفطرت قلوبهم حزناً على حالها وأحوال أهلها ، ولا تصدعت أفئدتهم كمداً أينما حلوا وإرتحلوا ، على ما آال إليه جمال حدائقها ، الذي نُكل بفضاءاته الخضراء التي تحولت بعضها إلى جثامين باردة بلا بأرواح .
خائن من يعاند رغبة ساكنة فاس وباقي المغاربة ، ويمنعهم حق التمتع بجمال الربوع الخضراء للطبيعة الغناء التي خص بها الله سبحانه هذا البلاد , وخائن من شرع للإسمنتي أن يتمدد كالأخطبوط داخل المدينة ، ويكتسح كل ضواحيها ، ويطال الأرض والسماء ويغطى كل منافذ الطبيعة ، ويحرم الفاسيين من استنشاق الهواء الصحي ، والاستمتاع بمناظر مدينتهم كما كانت خلابة بطبيعتها الخضراء ،
وخائن كل من يتكل على الظروف أو على الصدف لمواجهة مستجدات الأحداث ، ويدفن الرأس في الرمل -كالنعامة- كما إعتاد الكثير من مسؤولينا إخفاء رؤوسهم في الرمل مخافة مجابهة محدثات الأمور وكلما تعرضت المساحات الخضراء للمدينة أو داهمتها المشاكل ، وخائن كذلك من يتمسك من المواطنين بالصمت الجبان ويلتزم الحياد المنافق، فلا يجابه ولا يواجه ، ولا يجهر بحيرته ولا يفصح عن إرتباكه ، ويحل غيابه محل حضوره، ولا ينبش في جذور أسباب التراجع والتدهور الذي يعتري حدائق مدينته، ويترك الأسئلة المصيرية بلا إجابات ، طمعا في مكسب مادي ، أو حفاظا على مركز أو وظيفة .
وخائن أيضا من يزكي الوضع رغم فساده ، بتصريحات رعناء مستنسخة محفوظة عن ظهر قلب ، ويردد مع ” الغياطة والطبالة ” المقولة الشهيرة : “العام زين آ الغياطا زيدو غيطوا”.
Hamidost@hotmail.
com