لماذا أدمن على ركوب القطار (1)!
حميد طولست
ربما يتعجب بعض أقربائي ، ويستغرب الأصدقاء والمعارف ، سبب إدماني ، في السنوات الأخيرة ، على ركوب القطار ، وتفضيلي إياه على غيره من وسائل النقل البرية الأخرى
ولتبديد عجب المتعجبين ، وإنهاء استغراب المستغربين ، أخبرهم بأنه من أسرار الكون ، وعبقرية الخلق ، وحكمه على طبائعنا ، بالتبدل من زمن إلى زمن ، وعلى أهوائنا ، وأذواقنا بالتغير بين صبانا وشبابنا وكهولتنا ، وعلى آرائنا بالتباين من عمر إلى عمر ومن سن إلى سن ! فبعد أن كنت من هواة السفر على متن السيارات التي جربت منها الكثير من الأنواع ، واملك اليوم واحدة من ذوات الدفع الرباعي ، أصبحت اليوم معجبا بالقطارات ، بل ومدمنا ، على السفر على متن ، لا يجذبني لركوبها خلال سفرياتي المتكررة بين فاس والرباط ، كونها من أهم وسائل النقل البشري الهامة ، ولا لكونها سريعة ورخيصة ومريحة ومضبوطة المواعيد ، بالإضافة إلى ما فيها من أمن وإمكانية الحركة والتنقل من عربة إلى أخرى الذي يضفي على الرحلات متعة أخرى ، كما في كثير من البلدان المتقدمة وحتى بعض النامية ،.
لا أبداً ، لا هذا ولا ذاك ، وذلك لأن القطارات عندنا غير بطيئة ، سلحفائية السير ، تقطع مسافة 180 كلمومتر الفاصلة بين مدنتي الرباط وفاس في أكثر من ساعتين ونصف ، ولا تضبط الوقت ، حيث انها ضربت الأرقام القياسية في العطب والتأخر ، حتى أنه يحكى أن مسؤولا ضج من شكايات الركاب ، فنزل متخفيا لإحدى المحطات لاستطلاع الأمر ، فلاحظ أن القطار حضر في الوقت المحدد له ، فتساءل متعجبا “إوووا ها هو دخل في الوقت دياله! ” فجاءه الرد سريعا من أحد عمال المحطة : “هذا أسيدي راه التران ديا البارح !! ” ؛ لأن قطارات خاصة بمجتمعنا الذي لا يعرف قيمة للوقت ، ولا يحرص على الثواني والدقائق بدقة متناهية ، وليست كقطارات البلدان المتقدمة كاليابان على سبيل المثال لا الحصر ، التي لا يتجاوز فيها معدل تأخر القطارات سبع ثوان في السنة .
وإنما يشدني إليها ، هو ما يحدث خلال السفر على متنها من مفاجآت وروايات وأحداث تجري فصولها مع وبين ركابها المختلفي المشارب ، والمتبايني الطبائع والنفوس ، والمتباعدي الأهواء و الأذواق والمواهب والمذاهب .
حيث يكون لي ، في كل مرة اركب فيها قطارا ، موعد مع قصة جديدة ، لأبطال من ركابها المتجددون مع كل سفرية ، ما يجعل مقولة ” هيرقليطس “الشهيرة عن النهر الذي قال عنه أنه : “لا يمكن للمرء أن يستحم فيه مرتين ” تنطبق تمام الانطباق على القطارات عامة ، حيث لا يمكن للمرء أن يسافر على متنها مرتين ، فكما أن المياه دائمة التجدد في مجاريها ، فكذلك هي الحياة في قطاراتنا – التي تغيرت كثيرا ، و في زمن وجيز ، عما كانت عليه قبل عقدين – مستمرة التجدد ، بتبدل ركابها الذين أصبحوا اليوم رقميين بعدما كانوا شفويين -ولم أقل “ورقيين” لأنه من عادت شعبنا القراءة ، حيت أنه من الناذر أن تصادف راكبا من ركابها يحمل كتابا ورقيا ، اللهم إذا كان أجنبيا ، سائحا اوروبيا أو مكلفا بمهمة في بلادنا – يستعينون على بطئ المسير وطول المسار بالثرثرة المقيتة لقتل الوقت ، حيث ترى اليوم جل الركاب ، إناثا كانوا أو ذكورا ، شيباً أو شباباً وحتى الصبيان ، وقد غرقوا في أجهزة كمبيوتراتهم الصغيرة ، و”طابلتات الآيباد والأندرويد” المتطورة ، يلعبون ، أو يقرأون ، أو يشاهدون الأفلام ، أو ألبومات صور ، أو يدردشون عبر هواتفهم المحمولة الدقيقة والمتنوعة ، التي لم يكن لها مكان في حياتنا إلى زمن قريب ، وتحولت إلى وسائل تكنولوجيا حديثة مألوفة كحلية للزينة ، فتحت كل القطارات على العالم الخارجي عبر نقلها الحر اللاسلكي لمكالمات الركاب ورسائلهم النصية وصورهم وفيديوهاتهم التي لا تنقطع .
.
وعلى ذكر الصور والفيديوهات والكامرات أتذكر قصة طريفة حدثت أثناء إحدى سفرياتي المعتادة على متن أحد القطارات القادمة من البيضاء العاصمة الاقتصادية ، إلى الرابط عاصمة المملكة الإدارية والسياسية الرباط ، والمتوجه إلى فاس التي كانت هي الأخرى -في زمن ما غابر -عاصمة سياسية وتحولت إلى عاصمة علمية ، حين كان فيها من العلم والعلماء ما جعلها كذلك.
صعدت يومها أدراج إحدى عربات القطار المتوقف لتوه بمحطة “الرباط أكدال ” وتوجهت صوب أول مقصورة .
.
أخذت مقعدا لي كان فارغا قرب النافذة ، أجلت البصر في من حولي أتفحص نوعية الركاب كعادتي .
.
أثار انتباهي منظر إمرأة تخفي نفسها تحت عباءة سوداء ، وتغيّب يديها وراء قفازتين ، وتغطي قدميها بجوارب داكنة ، فلا يكاد يبين منها شيء ، غير فتحتان في الرأس تبرز منهما عينان جاحظتان ترمق في حذر ما حولها ، وإلى جانبها تكوم رجل بكامل لحيته يرتدى جلباباً قصيراً بعض الشيء ، بعينين زائغتين يتطاير الشر منهما ، ولا تتوقفان عن تتبع حركة راكبي المقصورة ، وخاصة الشبان الثلاثة الأصحاء الأقوياء الوسيمي المظهر والمنظر الجالسين قبالته ، كان الملتحي لا يتعب من التحديق ، بل لا يتوقف عن النظر الشزر في كل من زاغت عينه جهة الكتلة السوداء المكومة بجانبه ، والتي عرفنا مما طرأ خلال الرحلة من أحداث مؤسفة ، كادت تنتهي بجريمة شنعاء لولا ألطاف الله الخفية وتدخل شرطة القطار ، بأنها زوجته .
.
لا أدري ما الذي جرى بالضبط لأني كنت منهمكا في كتابة مقالة لا اذكر موضوعها ، لكني فوجئت ، كما غيري في المقصورة وباقي ركاب العربة بأكملها ، بالوجوه تتعبس ، والأجساد تتكهرب وكأن مسا كهربائيا أو شيطانيا أصابها .
.
وبعدها زال وقار الشيخ الملتحي المفتعل ، وغممغم وتمتم ، وأرعد وأزبد ، ثم ثارت كالبركان ، وانقض على أحد الشبان الجالسين قبالة زوجته مغرقا إياه في قاموس من الكلمات البذيئة والعبارات النابية -من موقع الحزام إلى تحت كما يقال- التي يخجل الإنسان من سماعها ، ولا تليق بمظهر امثاله وسنه ، دون أن أنسى ظاهرة البصاق الذي لوث هواء المقصورة ونال كل من كان بها حظه ونصيبه منها .
تطورت الأمور إلى الأسوء وأمسك كل منهما بتلابيب الآخر ، وفجأة أخرج الشيخ سكينا ، بل سيفا وبدأ يلوح به في السماء وهو يكبر ويهلل ، ويسب ويلعن الكفار والفاسقين الذين اخترعوا الهواتف المحمولة والكامرات والمصورات ، .
دامت المعركة أزيد من ثلث الساعة ، قبل أن يتمكن فاعلي الخير من الركاب ، من تجريد الملتحي من سلاحه وتهدئته ومحاولة معرفة سبب كل ذلك الهيجان ، وما الذي ازعجه من وسائل الاتصال الحديثة وانتشارها ، -وقد استعملها وزوجته خلال الرحلة – .
كان السبب كما عرفنا بأنه يتهم الشاب بتصوير زوجته بمحموله ، الشيء الذي نفاه المتهم جملة وتفصيلة ، صائحا في الجميع : “بالله عليكم آشنو فهاذ الخنشة الكحلة ما يتصور ؟؟؟” .
سؤال أثار ضحك الركاب ، بل دفع بالكثيرين للقهقهة المدوية ، ما زاد من حنق وغضب الملتحي .
.
أليس الموقف طريف والمشهد ساخرة ومسلي ، وكأنه كاميرة خفية من الطراز الممتاز ، ويستحق أن يًسافر على متن القطارتنا ، وتُركب رغم ما نعرفه عنها من مشاكل .
.
وإلى اللقاء مع طرفة أخرى من الطرائف التي كثيرا ما نصادفها خلال السفر على متن القطار.
Hamidost@hotmail.
com