حفريات من زمن الأخطاء …..
أحمد ونناش
حفريات من زمن الأخطـــاء
من أساسيات الكتابة السر ذاتية بصفة عامة ،ليس من يقع عليه الفعل ،بل هي أيضا من ينقله إلى أللآخر ،إذ ينتقل النص من ذات الكتابة إلى علاقته بالمعطيات الخارجية ،وبذلك تكون المذكرات من طبعها ،لا تسرد تاريخا شخصيا بالضرورة ،بل تمتد إلى تواريخ شخصيات أخرى ،بحيث لا تقتصر الذاكرة على احتضان الذكريات ،لتنسجم مع رؤية الكاتب الخاصة للتطور المجتمعي .
.
.
.
الرجوع إلى الزمن الغابر ،كي تخرج الحفريات من ذاكرة النسيان ،وإقحامها في زمن الكتابة ،لكي لا يتم اجتثاثها منها ،خاصة عندما يتحول الإنسان من بيئة بدوية ،إلى مجتمع متفتح ،يواكب تطورات العصر ،خاصة في مرحلة الطفولة .
شاءت الأقدار أن أنفصم مع لمسة أمي وخبزها الحافي وزيتها ،لأرتمي بين أحضان أزقة مدينة “سلا” التي تأقلمت مع عالمها الأحمق مباشرة بعد صلاة ألعصركما يقال عنها ، وبكل سهولة ،لافرق بين قروي ومدني ،مادامت الدراسة هي الحكم في ذلك ،ومن أجمل مابقي عالقا بذاكرتي بعد الالتحاق بأكبر ثانوية مباشرة بعد المرحلة الابتدائية ،وبالضبط ثانوية “النجد _البلاطو” بحي بطانة ،الحبلى بعائلات مثقفة ومناضلة ،أمثال عبد الرحيم بوعبيد ،وعائلته زنيبر ،ومعنينو، ولشقر،والزروالي .
.
.
.
واللائحة طويلة من الفنانين ،الذين كنا نجالسهم في مقهى “تلوين .
.
.
“لما وطأت قدماي تلك الثانوية لأول مرة ،بادرني أحد التلاميذ وما أدراك من تلاميذ هذه الفترة ،بالخروج ،ضانا منه أنني تائه عن المدرسة الابتدائية المجاورة وذلك بحكم صغر سني .
.
ثانوية أنجبت عدد كبير من المناضلين ،وتعتبر الشرارة الأولى للإضرابات الوطنية ،المنضوين إلى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ،ومنها تصدر إلى جامعة محمد الخامس نفسها، وباقي مدن المغرب من خلال حافلات ،لانعدام وسائل التواصل وقتها ،يكتب فيها إضراب وطني .
.
.
يتدخل فيها” السيمي” بشدة ،يتسابق فيها المناضلون إلى الاعتقال ،مفندين فكرة ،المناضل هو آخر من يعتقل .
.
.
أرجع إلى ذكرياتي يوما ، وأنا أتابع بشغف كتابات أستاذي للفلسفة في نفس الثانوية “محمد وراضي “ينحدر من الجنوب ، يكتب مواضيع عن التصوف والدين بصفة عامة ، على صفحات هسبريس ،وردوده ه على كتابات “احمد عصيد” أستاذ كنا نحترمه كثيرا ،رغم انشغالاته آنذاك ،سواء في السياسة أوالدين ،لم نكن نعلم بها ،لأن التلميذ كيف ما كان مستواه الدراسي ،لايستطيع الوصول إلى معرفة أستاذه.
.
.
منذ دخوله إلى القسم وأصبعه في فمه،ينغمس في تأملاته ،بلحيته الماركسية ،لايتحرك كثيرا من المكتب .
.
أساتذة كلهم عبروا نهر أبي رقراق ،وصولا إلى حرم الجامعة ،ملتقانا فيما بعد.
.
.
ها هنا ذكرياتي
مشت فوق هذه الهضاب
جابت قناطر وماء رقراقا
شربت من غربة الأجاج
بعيدا عن ثغاء الخرفان
عن عروسة بأبهى فستان
عن ثدي يرفض النسيان
عن نجوى قمر يغازل الكون
عن جرات كمان “موح”
وجلسات الليالي الصيفية التي لاتنتهي .
.
.
والذي قد مضى
صار ذكرى سفر
أشم رائحتك يا بلدتي ،يوم الأحد ،وبالضبط في مقهى “الباهية “بباب الأحد” موعدنا أبناء البلدة ،الذين ينتشرون في باقي الأحياء ،لايفارقنا إلا اقتراب توقف الحافلات عن العمل .
.
.
لنضرب موعدا آخر ،نجمع فيه أخبار البلدة ،ونستضيف أصدقاء جدد.
.
.
كُنتُ في الرّحـْمِ حزينـاً
دونَ أنْ أعرِفَ للأحـزانِ أدنى سَبَبِ !
صورة الحاكم في كل اتجاه
أينما سرنا نراه فكرت بأن أكتب شعراً
لا يهدر وقت الرقباء مرة
فكرت في نشر مقال
عن مآسي الاحتلال
كل ما في بلدتي
يملأ قلبي بالكمد
كل ما في بلدتي
يملأ قلبي بالكمد
وضعوا فوق فمي كلب حراسة
و بنوا للكبرياء
يشتمني
و يدعي أن سكوتي
إسمعوني قبل أن تفتقدوني
ياجماعة.
.
.
تلك الابيات للشاعر “أحمد مطر ” التي كان يتغنى بها أحد الأصدقاء ،مقارنا معاناته ،وهمومه و أوضاعه الإجتماعية ، بالتي كان يعانيها الشاعر ،بعدما كان يرميه مطار لآخر ،دون أن يدري إلى أين ؟ بعد أن رفضه الجميع ،وشخص غير مرغوب فيه ،في بعض الدول ،التي تعيش تحت وطأة الاستبداد ،ومداده رسم الربيع العربي ، أبهى حلله الآن ،في الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية .
.
.
لا أكتب شيئا ،لكن الحروف تكتبني ،اكتفيت فقط بالقراءة على الجبهات ،لا أصادف فيه إلا الألم ،مريض أنت أيها الإنسان ،،الذي لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
.
.
غريب أنت في عالم النرجسيات ،أيام جميلة ورائعة ،مراهقة جدبتني ،إلى كل مرغوب فيه ،نخوة وتحد ،كانت الغاية تحقيق المستحيل ،والانغماس في كنف البرجوازية ،أحلام كلها تكسرت بانفجار قنبلة ،خلفت قتلى ودمارا كبيرا ،عمقت الجراح.
.
من هنا بدأت الحكاية.
.
.
.
.
.