مـآزق التعليم بالبــادية

الطلحاوي نجيب

عـائق مركـزي : الأقسام المشتركـة أو قُـلْ الأقسام المعتركـة

 لا أحـد في ظنـي من العقلاء بإمكـانه الادعـاء بوجـود وضعيـة تعلمية سليمـة في العـالم القروي و لا أحـد قادر علـى نقـل صورة التعليم في البادية غير الأطـر التربويـة الذين يمثلون “العناصر” الفـاعلـة في رصـد ارتهـان التعليم القروي و إشكـالاته المتفرعـة، و في مقالتنـا هـاته محـاولـة بسيطـة لتشخيـص جذور الأزمـة المـؤِسسَـة للفشـل الدراسـي انطـلاقـا من التجربـة الشخصيـة كما عشنـاهـا –و لازلنـا- في مـواقع قرويـة مختلفـة ، و لـن نـخوض طبعـا في الاعتبارات الطبيعية المتمثلـة في كـوابـح مشاكـل الطـرق وغياب الإنـارة و صعـوبـة المسالك و برودة المنـاخ و مـا إلـى ذلـك من الموانع التي تنضاف إلـى مشاكل أخـرى لتشكِّلَ حواجزا إسمنتيا يحول دون تمتع التعليم بنظام تربوي رائد .

       لعـل أولــى العقبات الحـادة التي تعيق بنـاء الجودة التربوية برأيي تتجلـى في مـا يسمـى بالأقسام المشتركـة التي غطت كـل مرافق التعليم القروي، و للأسف فلا زالت أنظمتنـا التربوية تعتبرهـا مسلكـا مفيدا لبنـاء التعلمـات بل تذهـب إلـى حـد وصف دافعـه الوجودي ب”الاختيار البيداغوجـي التربوي” كمـا تقرر ذلك في كتاب الوزارة “الدليل البيداغوجي” للسلك الابتدائي ص(43) و الأدهـى من ذلك تبريره انطـلاقـا من منطـق مُقـاولاتي صِرف يندرج ضمن شماعة “ترشيد النفقات”، و الغريب حـقا أن يتم شرعنـة “الأقسام المشتركـة” علـى أساس نفـي وجود “أقسام غير مشتركـة” و يعلـم التربويون كـم هي مضاعـفات الفوارق السيكولوجية و المعرفية و الزمنية و تعقيدات و تنوع البرامج و المقررات المدرسية كم هي حـاضرة في “الأقسام المشتركة”،فإنْ كـان قسم المستوى الواحـد يضم فعـلا خليطا في التكوينـات و الانتمـاءات الزمنية فيسهـل بالـتالي على الأستاذ ضبط إيقاعه و التحكم في معيقاته التربوية فإن الصراحـة و الوضوح تجعلنـا نجزم باستحـالة تحقيق تواصل تربوي فعـال في قسم يعج بالمتناقضات المضاعـفة، و تـزداد المَهـمـة صعوبـة كلمـا ضم فصل مـا تعددا في المستويات كأن يشمل القسم المشترك المستوى الأول و الثاني و الثالث و الرابع عربي فرنسي، و في الواقـع فنحـن هنـا أمـام القسم المُعتَرك الذي صـار سـاحـة حبلـى بالتنـاقض التربوي و ليس أمام قسم يشارك فيه كل مستوى بانضباط و انسجـام ، فأيّ عـقل يمكن أن يقدر علـى التعـامل مـع أربع مستويات تزامنيا مـع مـا في كل مستوى من مشاكـل قائمـة بذاتهـا ؟ و كيف يتم التقريب بين الدروس و المقررات و بين مستويات متباعـدة من حيث المضامين ؟ كيف تشرع في تعليم إكساب اللغـة (العربية و الفرنسية) للمتعلمين في نفس الوقت و في نفس القسم ؟ جنــون ! ألا يمكن أن نتصور الحـالـة النفسية التي يعـاني منهـا الأستـاذ و هو يكـافح علـى أربعة جبهـات متضادة وسط سياقات مفصولـة عن بعضهـا البعض ؟ أم أنّ المقصود أنْ نُحـوِّلـه إلـى آلـة ميكانيكية يشتغل فيهـا بموجب برمجة تقنية يُصارع فيهـا عدوا مجهـولا لا حل معه البتة ، و فـي معـادلة تقريبية للمشهـد التربوي فإننـا نفترض أن حصص اليوم الدراسي الواحد لكل مستوى ثمـانية حصص أي مـا يعادل في أربع مستويات 32 حصـة في اليوم ، فكيفَ يُتَصـور عقـلا أن يكون بمقدور أستـاذ الشروع بشرح 32 درسـا أو تمرينا أو نشاطا تربويا في اليوم أي مـا يقارب 192 نشاطا في الأسبوع ؟! إن هـذا الوضع اللاتربوي المهترئ هو فعلا مأساوي على الجميع لأنه يقتل الجودة التربوية و يُبيــدُ معنويات الأستـاذ التي تنهـار بسبب تضخم المقررات و تباعـد المحتويات، فـلا التـلاميذ قادرون علـى اكتساب الحد الأدنـى للتعلمـات و لا الأستـاذ قادر على نهج طريق تربوي سليم و فاعل، من هنــا تتسلل المصائب حينمـا ندَعُ شؤون التربية للارتجال و الاجتهـاد الفردي الخاص فيحلم غيرنـا بتكوين جيل من المتعلمين المتمكنين،إذ كيف للفوضـى أن تُنتِـجَ النظام و حسن الأداء ؟  

    و مـع كـل أثقـال الواقع التربوي البئيس فإن البعـض من الأميين و أنصاف المتعلمين (ممثلي الجمـاعات القروية مثلا) لا يُـقَـدِّرون حجم المَهمــة المعقدة فيسارع لإدانة الأستـاذ و تحميله المسؤولية عن إخفاق التعليم في الوسط القروي و يجهـل المسكين أن التربية بنية تحتـاج لتوفر شروطهـا و سياقاتـها لإنجـاحهـا،و مـع أننـي لا أُعفِي بإطلاق الأستـاذ من حصته في تحمل قسط من المسؤولية إدراكـا منـي بأن البعض منهم قد يُصاب بانهـيار شامل أمام وضعيات لا تربوية فإني أقدر بأن جوهـر الإشكـال يكمن أساسا في المَهمة التي تفوق قدرة الأستـاذ بسبب آفـة الأقسـام المشتركـة، فكيف يمكن محـاسبته علـى نِتـاجه في غياب منهـاج تربوي للتعـامل مع التباينـات الحـادة التي تفرزهـا ظاهرة الأقسام المشتركـة ؟ و للحقيقـة نسجـل أن ثمـة أساتذة يبذلون مجهـودات جبارة فيقاتلون باستمـاتة لأجـل إنقاذ مـا يمكن إنقاذه رغم ثقل المسؤولية الخارجة عن السيطرة و مـع ذلك لا تُقــابلُ اجتهـاداتهم بإحسـان و لا تشجيعـا من أحد ، بـل و الأسوأ أنهم صـاروا عند الأميين و أنصاف المتعلمين محل نقد و اعتراض و شكايات جائرة تُفضي غـالبا من الأستاذ إلــى الاستسلام للواقع الصلب قهـرا ،و قد تُعينُ هـؤلاء الأميين ما قد يلامسونه من تأخـر في المردودية أو تغيبات أحيانـا تساعدهـم علــى إلصاق المسؤولية بالأستاذ ، فليت شعري، كيف يختزل الأمي إشكـالية تحقق النجاعة في حضور الأسـتاذ بعيدا عن ضغط الفصل و صعوبـة الواقع ؟ كيف نبرئ المحيط القروي الذي صـارَ كـابحـا تربويا بامتياز ينضاف إلــى عوامل صعوبة التحكم بالتعلمات ؟

     علــى أن الأقسام المُعتَـركة و إن كـان فيهــا شيئـا مذكورا من الإفـادة لبعض المتعلمين سيكولوجيا إلا أن التوغـل في ثنـاياهـا و تأمـل نتـائجهـا العملية تجعلنـا نرسم صورة سلبية عن الحصيلة التربوية و نـاتج القيمة ، إذ في الغالب لا يستوف المتعلمون حصصهم الرسمية و لا يستوعبون المضامين و المحتويات الدراسية بفعل اعتبارات شتى منها ما يعود إلـى حالات الاكتظاظ التي تعيق بنـاء فصل منظم و منهـا مـا يرجع إلـى عجز الأستـاذ عن مسايرة وتيرة التعلمات الرسمية و اضطراره لاختزال دروس علــى مستوى الشرح و التوضيح ، و في الغالب يُصابُ بحـالة انهيار حقيقي نتيجة الإرهـاق خصوصا لمن يملكون ضميرا مِهنيا تستفزهم براءة الأطفال .
في الواقـع لا يملك أي أستـاذ أي إمكـانية التصرف بعقلانية داخل فصل بفسيفساء مختلفة يتفاوت فيهـا المتعلمون في القدرات الذهنية و التمثلات العقلية، و لا يستطيع أحد أن يستوفي شرائط التربية السليمة في وضعيات لا تربوية تحكمها أعدادا مكتظة و عقليات راكمت الجهـل و الحِرمـان ، بل في نظري يصعـب استيفـاء الحد الأدنـى عندمـا يتعلق الأمـر بقسم معترك مكتظ مزدوَج مُسَلسَل لا يبق و لا يذر ، و تَنــتظــرُ من الأستـاذ المُحـاصَر تحت وقع الظرف القاسي و الفصل الغريب أن يُنتِجَ لنـا عقولا متعلمـة قادرة علــى المنافسة و التحدي الدولي ! هيهـات!

  و مهمــا قيل عن ضرورة التذكير في بدائل بيداغوجيـة و ديداكتيكية كأن يتم اللجوء إلـى اختيار مضامين مشتركـة للأقسام المشتركـة و تدبيرهـا لمستويين متقاربين أو اعتمـاد مقرر أدنـى واحد لكل مستويين متقاربين فإن ذلك و إن كـان يخفض من حجم المَهمـة التربوية إلا أنـه يمثل “اجتهـادا” في غير محلـه إذ يسهـم في تنميط العقول و زرع للملل و قتل للطموح لدى فئات من المتعلمين، و مـع كثرة المتعلمين في القسم المُعترك يصير الأستـاذ ملزمـا بحكم الاضطرار إلـى إتباع أساليب منهجية تلقينية صِرفة تقوم علـى الإلـزام و توحيد الخطاب التربوي، ففي حـالتنـا ليس ثمـة مخـرج لحل وضعية غير تربوية غير العودة إلـى أنمـاط القدمـاء في تسيير الكتـاتيب !

       لنـسجـل إذن أن الحديث عـن “الأقسام المشتركة” هـو حديث عـن أزمـة تربوية حقيقية و أن حدتهـا تزداد كلمـا اجتمـعت فيهـا عوامـل تضخم أعـداد التـلاميذ مع تعدد المستويات، و عندمـا تتــسلـسلُ المستويات كلهـا ضمن قسم واحد وإن ضم عددا قليلا من التلاميذ فإن الأمـر لـن يعدو أن يكون فضاء مُعتَركيا تنعدم فيـه ظروف التدريس المسؤول و يفتقـد فيه إلـى شروط النـظام التربوي،و كـل أستـاذ مـارس المهنـة في العـالم القروي إلا و يدرك أنـه أمـام ظواهـر لا يصدقهـا العقل بحيث كـاد الأستـاذ أن يتحول إلـى حـارس أو شرطـي همـه ضبـط الشغب و الفوضـى و الحيلولة دون نشوب نزاعـات داخلية ، و هـي صورة قـاتمـة تردت فيهـا وظيفـة المربي إلـى مهمـات الحراسات الصباحية و المسائية !

      من جهـة أخـرى، إذا كـانت بعض الأدبيات التربوية تنزع نحو محـاولة إظهـار مزايا الأقسام المشتركة من حيث  اعتبارهـا فرصـة لتعلم ذوي المستويات الدنيا من تـلامذة المستويات العليا ضمن فصل متعدد فإن الواقع يجب تصويره من زاويـة أخرى، فأهـل الطـرح الأول يبدون و كأنهم يتعـاملون مـع الفصل المخضرم بفهـم بارد حول سلوكـات المتعلمين حيث تتصرف معهم كمـا لو أنهم “رجال” منضبطون ينتبهون للأستـاذ عندمـا يقوم بوضع أنشطـة للمستويات دون الأخرى، و الحقيقـة أن انتباه مستوى عندمـا يتعلق الأمر بدرس لمستوى آخـر ضئيل جدا يكـاد يكون منعدمـا بخصوص المستويات الدنيا (الأولى و الثانية) كمـا أن تفاعلهم مع أقرانهم لا يكـاد يتحقق إلا بموجب دواعـي ترفيهية خـارجة عن إطـار الأنشطـة التربوية التعلمية ، و هـذا أمـر طبيعي بحكم التكوين السيكولوجي للمتعلم المبتدئ ومفهوم في سياق حدود عمره المتكوِّن ، الشيء الذي يزيد من محنـة الأستـاذ و هو يقوم بواجبات الشرح أو البنـاء فيضطـر مـعه إلـى تشغيلهم بشيء من شأنـه أن يُروِّح عن نفسـه قليلا ليتيح لـه إمـكانية التواصل مـع الآخرين بهـدوء ، و حتـى في حـالتنـا هـاته لا يسلــم من قفزات متعلم هنـا أو هنـاك يثيـر “معـارك” داخـل مستواه الفصلي فيرفع الأستـاذ صوتـه حينا و يقمع حينـا أخـرى حتـى مـا تكـاد الحصـة تنتهـي حتـى تـزهـق نفسيته و تخر عزيمتـه من شدة الضجيج و الأحـاديث الجـانبية .

     في الحقيقـة، إن إحداث توازن في فصل متنوع يضم تشكيلات شتـى هـو أمـر يخرج عـن حدود السيطرة، و محـاولة ابتكـار أساليب لإسكـات متعلمي الفصل الدنيا أو استرضائهم تصير عديمـة الجدوى عندمـا تجتمـع عوامـل تعدد المستويات مع كثافـة المتعلمين داخل الفصل الدراسي إذ لا منـاص آنـذاك من اللجوء إلـى “الترهيب” التربوي لفرض سلطـة “الأمـر الواقع” ، و في جميع الحـالات تٌنتِــج مثل تلك الوضعيات اللاتربوية مشاكـل حبلـى بالمصاعب و المصائب منهـا على سبيل المثال حجم الاستنزاف البليغ لطـاقة أستـاذ كـان يمكن استغـلالهـا في بنـاء الوضعيات و جوانب التقويم و الدعم و منهـا حجم تبديد أوقات المتعلمين المخصصة للحصص حيث لا يستفيدون منها إطلاقا بسبب “الأقسام المشتركة” التي تُقـسِّم عقل الأستـاذ إلـى أشطر متنـافرة يستحيل لـه إتمـام الجدولـة الزمنـية اليومية لكل مستـوى، و هـذا الأمـر يُنتِـجُ بدوره آفـات مرتبطـة بشيئين :

       أولا : بعدم استيفاء المقرر الدراسي فيضطـر فيه الأستـاذ إلـى مسابقة الزمن لإنهـائه في موعده فيثمر آفـة طغيان زمن التعليم علـى التعلم (نفي للمقاربة بالكفايات)

      ثانيا :  “بحرق” مواد دراسية جملة فلا يُكتَـفـى إلا بتحقيق الحد الأدنـى من التعلمات في عصر تُطـالبُ فيه بتكوين متعلمين قادرين علـى رفع التحدي أمـام تسارع قيم العولـمة و اشتداد المنـافسات الدولية !  

  و لعلنـا قد لا نبالغ إذا قلنـا بأن أهـم عـاهـات التدريس في “الأقسام المشتركـة” إنمـا تكمن في غياب الاستراتيجية البيداغوجية المحدِّدَة لمنهـجيات التصرف التربوي داخـل الفصل المزدوج ، إذ أن هـذا الغياب بدوره يفتح الباب أمـام ارتجالية تعليمية بإيقاعـات غير منظمـة تتحكم فيهـا اجتهـادات المدرس ليس إلا .
علـى أن الاجتهـاد المطلوب تربويا يتمـثل في خلق طرق تعين الأستاذ علـى تحقيق الأهداف المركزية بمـا في ذلك وضع تخـاطيط استعدادية و أنشطـة متنوعـة تُيسـر عمله داخل الفصل الدراسي و تستهدف جهـات عـامة و خـاصة ، أمَـا و أنّ حالة الفصل المزدوج علـى مـا يشهـده من تنـاقضات فجـة في الذهنيات و الأعمـار فإن الحديث عـن الاجتهـاد هـو حديث عـن تبرير العجز ، مدارُ حديث المُراقب التربوي في موضوعات إشكـالات الأقسام المشتركة لا تكـاد تخـرج عن أحاديث الحث على استحداث طرائق تُسهـل عملية التعلم ، و هـو حث يخفي في الحقيقة اعتراف بشذوذ الوضع التربوي و خروجـه عن قواعـد التدريس في أنظمتنـا التعليمية الرسمية .
إن القضيـة لا ترتبط  فقط بحدود عجز الأطـر التربوية عن صياغـة منـاهج تربوية تنسجـم مـع ظروف الأقسام المشتركة و إنما المـلامَ يدور إجمـالا حول الصمـت المؤسساتي و إعـراض لجـان التخطيط و المنـاهج عن التفكير الجاد في صياغـة مشروع تربوي يراعـي خصوصيات العـالم القروي نـاهيك عن إشكـالات الأقسام المشتركة التي تحد من قدرة المتعلمين علـى الفهم الجيد و الاستيعاب الخلاق، و باجتمـاع العـجز و الصمت علـى وجود إكراهـات حـادة في الفصل المزدوج تكون القضيـة قد طُـويَـت إجمـالا و صـار المدرس فـارسا يصول و يجول بـلا منـهج .

   علـى أن هـذا الاجتهـاد الفردي بصفته حـلا اضطراريا رغم مـا قد يقدم من نتـائج محدودة إلا أنـه لا يُمكِّـنُ البتـة من استيفـاء شروط التمدرس السليم، إذ يُنــتِج اختـلالات تربوية في مقدمتهـا إهـدار أزمنـة تعلمية (حصص) و التضحيـة بمواد و مضامين بفعـل انحسار الغلاف الزمنـي علـى حساب مواد أخـرى لا تقل أهمية عنهـا ، و هـو إهـدار فرضه واقع مثقل بإكراهـات التعدد المزدوج و أملتـه اعتبارات تقديم الأهـم علـى المهم لأجـل تحقيق الحد الأدنـى من التعلمـات و لإنـقاذ مـا يمكن إنقاذه في فصـل يضج بالمتنـاقضات المضاعـفة، و إذا أضفنـا معيقات مرتبطة بطبيعة القرى و انغلاق جل أهـاليهـا فإن مسؤوليات المدرس تزداد ضخـامـة إذ يكون أشبـه بمن قُذِفَ في سـاحـة الوغــى دونمـا عتـاد أو خطـة ! إن وضعـا كهـذا لا يمكن أن يعين المدرس علـى أداء واجباتـه المهنية و لا أن يشجـعه علـى مضاعفـة  مجهـوداته، بـل يؤثـر سلبا علـى مردودية الأستـاذ و المتعلم فيفرز لنـا حصيلـة بـاهتة في آخـر السـنة و تضيع كل المستويات فيوضع المدرس وراء قضبـان الاتهـام كمـا لـو أنــه هـو من صنـع الأزمـة و أشرف علــيهـا دون أن ينتبـه الجميع إلــى المسؤولية الجمـاعية و المشتركـة و إلـى الأزمـات الموضوعية التي تخرج عن السيطـرة في الغـالب ، و في كثير من الحـالات يعتبر القرويون بؤس المردوديـة نـاجمـة عـن اعتبارات ذاتية تعـود للأستـاذ شخصيا و لا يقيمـون وزنـا للوضع اللاتربوي الذي يواجهه المدرس في الفصـل فيستنزف طـاقاتــه و يطيح بمعنوياتـه ، نـعم في بعض الحـالات يكون القوم صـادقين عندمـا يتعلق الأمـر بمدرس تِرحـالــي متمرد علـى وظيفتـه النبيلـة عبر الغيابات المتكررة أو بالإهمـالات الفوضوية داخـل الفصـل فـلا حديث لنـا مع هـذا النـوع من المدرسين الذين يسيئون لأسرة التعليم عمومـا و إنمـا قصدنـا ينصب حول الأطـر الملتزمـة تربويا بمسؤولياتهم الدينية و الوطنية و الإنسـانية ، فئـة من قطـاع تستفزهـم آفـات شيوع الأمية و الجهـل بالبوادي فيقاتلون في المعركـة الشرسـة فيُقتلـون ( ينهـارون بفعل الإجهـاد) أو يقتلون ( ينجحون في مهمـاتهم و لو في حدودهـا الدنيا ) .

     و بمـوازاة مـع هـذا الاجتهـاد الفردي الذي فرضـه واقع ضغـط عدد المتعلمين في الأقسـام المشتركة(الأقسام المُعتركة) فإنـه يدفـع المدرس أيضـا إلـى اختصـار مخل للمراحـل البيداغوجية للأنشطـة التربوية بفعل تعدد المستويات و اقتسام الأزمنـة الحِصصيـة ، و من الطبيعي أن يمـارس الأستـاذ سباقا مـع الزمن حتـى و لو اقتضـى ذلك عدم الالتـزام بالتراتبات البيداغوجية أثنـاء القيام بعملية بنـاء المضامـين التعلمية إذ أن احتـرام منهجيات العرض التربوي لكل مستوى يعنـي باختصار حِرمـان المستويات الأخرى من حقهـا في البث بدرس جديد و من ثم إقحامها في انتظـارية قد تتحول إلـى عـائق للمستوى الآخـر أو في انشغـالية تكتيكيـة الغرض منهـا الإلهـاء أكثر منهـا تحقيق هدف تربوي محدد .
علــى هـذا الأسـاس تدفع الأقسام المشتـركـة المدرسَ إلـى الاخـلال -اضطرارا- بالأدبيات الخـاصة بالمنـاهج التربوية الحديثة و طرائق التدريس و إلـى اختيار أقصر الطرق للبنـاء ،الشيء الذي يؤثـر بدوره في درجـة استيعـاب المتعلمين سلبا و يفضـي إلـى تراكمـات خطيرة للمضامين الغير مفهـومـة لتتحول إلـى مشكـل قـاهـر قد يعصف بمستقبلهـم الدراسي نهـائيا .

عــوائـــق فرعيــة :

  كنـا نتحـدث قبل قليل عن ظـاهـرة الأقسام المشتركـة كمشكـل محوري مـانع من تحقيق المردودية المطلوبـة في قطـاع التعليم بالعـالم القروي، لكن ذلـك برأيي لا يزداد حدة إلا باجتماع عوامل أخرى تخلق حواجز صلبـة تحول دون تجويد منظومـة التعليم ، و قصدنـا من هذا أن الأقسام المشتركة تمثل الغطـاء الخـارجي الذي يسـاعد علـى بقاء العوامـل الفرعية و تغذيهـا بأسباب الترعرع و النمو، فمثـلا يعتبر حجم تراكم الجهـل و انسداد آفاق الفهـم و غياب الطموح الذاتي و بروز إشكاليات التعبير اللغوي و ضعف التعلمـات و غياب الوسائل الديداكـاتيكية و غيرهـا يعتبر عوامـل حقيقية في ظـل غطـاء الأقسام المشتركـة لاسيمـا عندمـا يفوق الفصل الدراسي حده العددي التربوي فتزداد تلك العوامل في الاشتداد ، و كلمـا خف العدد كلمـا هـان العمل و تيسر المنـاخ التربوي و كلمـا نقص عدد مستويات الفصل الدراسي كلمـا سـاعد كثيرا على معـالجـة اختـلالات المتعلمين ، لكن و مـع ذلـك تظل المشكلة قائمـة كلمـا تعددت المستويات إذ أن العبرة ليست دائمـا في التعدد و إنمــا أيضا في تنـوع المقررات الدراسية التي تُلـزِم المدرس على إتباعها عند كل مستوى، فلـو فرضنـا في فصل دراسي يضم 12 تلميذا بمجموع يشمـل 4 مستويات في كـل منـه 3 تـلاميذ فإن ذلـك لا يطرح إشكـالية من زاوية التعدد و إنمـا تـتـشخَّص في كيفيـة تمكن المدرس من مخـاطبـة 4 مستويات بمقررات متباينـة و في زمن مشترك،  في الواقـع فإن حجم العياء و الإرهـاق لا يمكن أن يتصوره غير الذي عـانـى فعـلا من الواقع المر .

    و من بين العوائق التي تعترض المدرس في مساره التعليمي التعلمي مـا يواجهه من مشاكـل مرتبطـة بالإهمـال الشديد لوازع التعلم الذاتي و عدم الاهتمـام بالجوانب الدراسية مواكبة و تتبعـا يغذيـه مـا يشهده العـالم القروي من أمية فـاحشة، فقلمـا تجدُ ولي أمـر يتـابع أحوال ابنه بالحث و الدعم و يندر أن تجد أحدهم يستفسـر الأستاذ عن وضعية ابنه الدراسي، الشيء الذي يسهـم في تبديد طموحـات المتعلمين و يجعـل تواجدهم في الفصل الدراسي تواجدا “مؤقتا” الغرض منـه الاستئنـاس بمنـاخـات الإطـار المدرسي ليس إلا .
و يبدو هـذا الأمـر مفهومـا تمـامـا إذا أدركنـا حقيقـة الوجود القروي ومـا يعـانيه من هشاشـة فجة علـى كل المستويات إذ ينعكس ذلك بشكـل مباشـر علـى الأسر القروية التي تجد في أبنـائهـا فرصـة للاشتغال بمتطلبات الرعي و حـاجات العون الفلاحـي ، و هـذا التراكم في استخدام الأطفال المتمدرسين في مجـالات شتـى يتحول باستمرار إلـى عنصر قاتـل للرغبة الدراسية فيورث بذلك إهمـالا و لا مبالاة للشأن الدراسي، و مهمـا أجهـد الأستاذ في سبيل بسـط الأنشطـة و المضامين فإن ذلك سرعـان مـا يتبخر في سياقات اندمـاج الطفل في وسط مشاكـل الأسرة الصعبة فيصير الواقع أكبر من أن تحتويه لحظات دراسية عـابرة.
و لعـل السؤال المطروح الآن هـو: هـل هـذا الغياب لإرادة الاستمرار الدراسي (الطموح) هـو نتيجـة لفعل التعثر الدراسي الذي يراكمه المتعلم عـامـا بعد عـام أم هـو بفعـل اعتبارات بدوية تعود أسـاسـا إلـى جذور اجتمـاعية موصولـة بإكراهـات الحياة الصعبة و مـا تفرضه عليه من شروط عملية تجعله يُبدد المكتسبات التعلمية و يحجِّم من آفاق فهمه ؟ في الواقع لا يمكن الفصل بين هـذا وذاك، لكن في نظرنـا تمثــل عوامل الوضع الاجتمـاعي و الاقتصادي عوائقا حقيقيـة لاستمـرار المتعلم في تطوير مواهبه و مهـاراته إذ أن حجم اشتغـاله بمجـالات الزراعـة و الرعي إنمـا تُـثـقِـل كـاهله بشروطهـا و متطلباتهـا، و مــع تراكم مسلسل العمل اليومي تصبح عملية التمدرس غير ذات قيمـة و عديمـة الجدوى من نـاحية فوائدهـا بالنسبة له ، بل و حتـى المتفوقون النبغـاء سرعـان مـا تخف عندهـم شعلة الشغف الدراسي فيضطرون تحت ضغط الوالدين إلـى مغادرة الدراسـة للتفرغ لأمـور قد تدر ربحـا مـاديا ، و حتـى إذا سلم المتعلم من تلك الاعتبارات و حدث أن أنهـى السلك الابتدائي بتفوق فإن مواصلـة الدراسـة في مؤسسة إعدادية بعيدة عن الأهـل و ما تقتضيهـا من شروط مـادية و رعـاية اجتمـاعية سرعـان مـا تُتَـوَّج بفشل كبير بسبب ضعف الامكـانيات و تزايـد الحـاجـة لتوظيفه في شؤون الأشغـال الفلاحية.
من جهـة أخرى لا يمكن أن ننـكر إسهـام بعض الأسـاتذة الكسلاء –من حيث الأداء و الاشتغال- في زرع عقليات الإهمـال و تخريب أساسات بنـاء الطموح و الإجهـاز علـى مـا تبقى من قَـبَـسـات الأمـل عند بعض المتعلمين المتحمسين، فرغبات البعض منهم قد تُقـابل أحيانـا ببرودة مهنية شديدة من المدرس فلا يلقي بـالا لنوازعهم و لا يهتم بمستقبل آفاقهم ، لكـن الأخـطر من هـذا وذاك تزداد حدة عندمـا تجتمـع عوامل آفات الوضع الاقتصادي الاجتمـاعي مع استهتـار المدرس فتصير النتيجـة الحتمية ضياع المتعلم و انقطـاعـه .

    إن غياب الطموح التعليمي الذي يغذيه أيضا إهمـال أولياء الأمـر يعنـي بالنسبـة للأستـاذ عـلامـة من عـلامـات الانحسار التعلمي لديه و مظهـر يورث البرود التعلمي فيصيبـه بالتسيب إجمـالا وتجعـل مجهـودات المدرس غير ذات جدوى البتة ، كمـا أنهـا تسبب مع مرور الوقت حـالة من التكدس للمضامين الغير مفهـومـة فترديـه في النهـاية قاب قوسين من الانقطـاع المدرسي النهـائي.
إن المشكـل هنـا غير مرتبط بالمتعلم ابتداء فـلا مـلامَ عليه مـا دام الطموح قابـلا للانبعـاث فيه متـى مـا توفرت منـاخاته ، إنمـا المشكل يعود أساسـا إلـى بنية قروية مغلقة لا تفتـح آمـالا عريضـة و لا تشجع علـى التحرر من قبضـة الواقع الصعب، كمـا أن البنية الأسرية في معظمهـا لا تتيح لأبنـائهـا تطوير امكانياتهم و لا تعلمهم كيفيات التفكير للمستقبل عكـس واقع المدينـة التي توسع من إدراكـات النـاس و تصقل مواهبهم في كل وقت و حين .
و قـد يُقـال : كيف تجعـل غياب الطموح معيقـا لتحقيق الكفـاية و الجودة ؟ فأقول إن غيابـه كدافع سيكولوجي فعـال يؤدي إلـى تعثرات شتـى بفعـل قنـاعـة المتعلمين في البادية بحتمية العـودة إلـى شؤون الرعي و الفلاحـة فتُقتـلُ لديهم الملكات التي تدفعهم للاجتهـاد و المثابرة، الشيء الذي يجعـل غـالبية أولياء الأمـر غـاية مـا يطلبون تحقيقـه لهم لا يتجـاوز حدود معرفـة الكتابة و الحساب و الاكتفاء بالحد الأدنـى من التعلمـات حتـى إذا تحقق لهم ذلك أعـادوهم و فصلوهم عن الدراسـة خصوصـا إذا لم يكن هنـاك أحد يقوم بأشغـال الدعـم المنزلي و الرعوي .

      إن غياب الطموح لا يتنـاقض مع مستـوى الاكتظاظ العددي للمتعلمين في بعض المنـاطق القروية، و لا يدل الحجم العددي –برأيي-علـى توافر شرط تحقق الطموح لدى المتعلمين إذ أن نظرة بسيطـة تكشف لنـا أسباب هذا الاكتظاظ، فالأمـر لا يخرج عـن كونـه نـاجمـا عن الإغراءات المـادية و المساهمـات المـالية الرمزية التي تقدمهـا الدولة (جمعية تيسير) للمتمدرسين، و هـذا أمـر مفهوم جدا عند النظر في الوضعيات الاقتصادية الهشة التي تعـانيهـا العوائل القروية و في حجم المتعلمين بالمنـاطق التي لا تتمتـع بالدعـم المـادي حيث تكـاد أعداد التـلاميذ في المستويات الستة يقابلـه نفس العدد أو أكثر منه في المستوى الواحد بالمنـاطق التي تعرف دعمـا مـاديا .
 علـى أن (جمعية تيسير) و إن كـانت قد أسهمت فعلا في رفع حجم المتمدرسين و التقليص من نسب المنقطعين و إعـادة المغـادرين للمدرسـة إلـيهـا زمنـا فإنهـا في المقابل خلقت متـاعب حقيقية بالوسط القروي زادات من مأزق التعليم إذ بارتفاع العدد مع الخصاص في الأطر التربوية تكون قد أنتجت تحديات صعبة تمس بتحقيق الجودة التربوية و النجاعة المطلوبة في المستويات الابتدائية، وهـذه الوضعية فرضت منطـقا لاتربويا يضطر فيهـا المدرس إلـى نهـج سياسـة “إنقاذ مـا يمكن إنقاذه” في ظل الاكتظاظ و تعدد المستويات .
و لئن دلت سياسـة الدعـم المـادي علـى عودة أعداد غفيرة إلـى المدرسـة فإنهـا لا تـدل بالضرورة علـى نجـاح المقاربـة التربوية النوعية و لا تؤشـر عـلى تحقيق الكفايات بقدر مـا أحـالت إلـى العنـاصر الكمية المفصولـة أساسات البنـاء التربوي السليم و المتمثل في وجود الأطر الكـافية و المنـاخات المحيطـة بشروط التربية ، ففي قسم مشترك (الأول و الثاني مثلا) ينـاهـز مجموعهم أربعين متعلمـا تصبـح العملية التربوية أشبـه بعمليات محـاربة الأمية الغرض منهـا الاستئنـاس بسياق الفصل الدراسي ليس إلا، لـذلك نـرى أن الإصلاح التربوي لا يختزل في دعـامـات مـادية خجولـة و محدودة و لا يقتصر علـى أساليب الإغراء و الجذب و إنمـا تتفاعـل فيه عوامـل الدعم بتحديد أعطـاب التعليم المـانعة من تحقيق الجودة، و كل حديث عن مؤشرات الحد من الهدر المدرسي بناء علـى المعطى الكمـي فهـو حديث شكـلاني لا تتجاوز وظيفته التسويق الإعـلامي و دبج التقارير الرقمية و النِّسبيـة إلـى من يهمهم الأمـر ، فمن السهـل الإشارة إلـى انخفاض مؤشرات الانقطاع المدرسي بإحصائيات و مبيانـات و أرقام لكن الصعب هـو النفاذ في عمـق العملية التربوية التي تعـاني من إشكـاليات بنيوية ،الصعب هـو الوقوف على طبيعـة الاكراهـات التي يواجههــا المدرس معزولا عـن العـالم في غياب الشروط الموضوعية المساعـدة على القيام بالوظيفة التربوية، الصعب هـو الاعتراف باختـلال منظومـة التربية و التكوين نوعيا بفعل تراكم المعيقـات التي صـارت تُفشِـل مهمـات الأساتذة الغيورين علـى مستقبل أولادنـا.
إن لغة الأرقام في نظري لا تصلـح لمقاربـة نجاح سياسيـة التمدرس و لا توحي بوجود ارتقـاء تربوي إلا علـى صعيد الكم البحت، لهذا المطلوب من القائمين علـى هـذا القطاع التـوغل في الأساسات و الوقائـع المـادية .

     إضـافة إلـى غياب نقطـة الارتكـاز المتمثلة في الطموح المفقود و مـا ينتجه من لامـبالاة دراسية تؤثر على التفـاعل الايجابي فإن ثمـة اعتبارات أخـرى تمـارس دورهـا في إعـاقة تحقيق الجودة، فضعف التعبير اللغوي بالبـادية و محدودية القامـوس العربي ترهقان المدرس في عمليات شرح المضامين خصـوصا و أننــا أمـام فصل مزدوج يتطلب صياغـات مفهومية لكل مستوى علـى حدة، و تشتـد المشكلة أكثر عندمـا تتراكم الضحـالة القاموسية علـى مدى سنوات و هيمنـة لغة الأم في الفصل الدراسي بـما لا يتيح للمدرس إمكـانية التواصل الفعـال، و هـذا الإشكـال في نظري يعود أساسا إلـى اعتبارين :

     الأول: لـه عـلاقة مباشـرة بالوسط القروي الذي يحد من اكتساب المضامين و المفردات الجديدة خصوصـا بالنسبة للتلاميذ الذين حـوصروا في البوادي و لم يتفاعلـوا مع منـاخات المدن التي تغذي معـاجم المتعلم، فجل الذين لم يتمكنوا من مغادرة القرية و الاحتكـاك بأجواء المدينة يعـانون من ضعف شديد في فهم المفردات العربية و الذي يؤثر بدوره علـى الأنشطـة المتنوعـة إبان شرح النصوص أو الدروس، و يزداد الأمـر سوء عندمـا لا يفهم المدرس لغة الأم للتلاميذ فتصبح لغة الرموز و الإشارات أقرب وسيلة لتوضيح المعـاني فتتراكم المفردات المجهـولة المعنـى و يصبح خطاب المدرس داخـل الفصـل أشبه بمحـاولات من يبني عمـارة علـى رمـال متحركة!

    الثانــي : له ارتبـاط بمشكل الاكتظاظ العددي للمتعلمين إذ يدفع الأستـاذ غـالبا إلـى تجاوز العديد من المراحل اليداغوجية أثنـاء عملية البنـاء خصوصـا و أننــا أمـام مستويات أخرى تنتـظر دورهـا في فك ألغـاز النصوص أو في شرح نشاط معين ، و هـذا التجاوز اضطراري نظرا لضغط المقررات التي تلزم المدرس علـى الاختصار و الاكتفاء بالقراءات دون الشرح أحيانـا عكس مـا تفرضـه المراحل الأساسية لإعداد نص قرائي أو تعبيري.
إن هـذا التجاوز القسري المتراكم يسبب في عدم تحقيق العدة اللغوية اللازمـة عند المتعلم و تنتج لديه عجزا متواصـلا في فهم المتون و مشكـلا في التعبير و التخـاطب ، و يتعزز هـذا أكثر مع غياب متـابعة الآباء لمسار تعلم الأبنـاء و عدم الاهتمـام المباشر لهم في المنـازل بحيث تسهم في تعقِّـد مَهمـة المدرس شيئا فشيئا، و مـما يدل و يكشف عن ذلك لامـبالاة جل المتعلمين بالواجبات المنزلية وعدم مراجعـة الدروس و القواعـد فضلا عن انجاز تمـارين الدعم،و للأسف يندر- إن لم نقل يعدم- أن تجد ولي أمـر يستفسر عن وضع ابنـه المدرسي أو يبدي اهتمـامـا بمستوى اجتهـاده أو كسله ، كــل شيء يوحي بالسكون و الخمول بل حتـى جمعيات آباء و أمهـات التلاميذ أخلدن للراحة فمـا عـادوا يسائلون المدرس عن الوضعيات الدراسية و لا تواصلوا مع المعنيين بالأمـر لإصـلاح أوجـه القصور البادية في عـلاقـة المحيط بالمدرسـة، فكيف إذن لمدرس أن يقوم بدوره في غياب المعينـات الموضوعية ؟

    إن خصوصيـة الوسـط القروي تختلف كثيرا عن واقع الوسط الحضري، فموجبات التعثر الدراسي ترتبط بعوامـل شتـى قد تكون لهـا عـلاقة بطبيعـة المقررات الدراسية التي تفوق مستويات الإدراك التعلمي بالباديـة و قد ترتبط بإشكـال الوسط في حد ذاته حيث تضغـط الظروف الصعبـة على الآباء لاستخدام الأبنـاء في أغراض الدعم الفلاحي بدل الدعـم المدرسي، و قد ترتبـط أحيانـا أخـرى بكسل المدرس و استسلامـه للظرف الصعب فـلا يستفرغ وسعـه لإنقاذ مـا يمكن إنقاذه من ضحـايا المحيط، و قد ترتبـط – و هـو الأشد- بالمشكلات النـاجمـة عن الأقسـام المشتـركة بمضاعفاتـه العددية و آفـاته اللاتربوية .
إن المدرس الغيور الذي يواجـه هـذا الكم من العقبات فضلا عن ظرفـه الخـاص المزري لـن يكون حتمـا قادرا علـى بنـاء المنظومة التربوية بشكل سليم رغم المحـاولات الحثيثـة و المستميتـة للعديد منهم في التقليل من آثارهـا، و للأسف فإن مجهـودات البعض تضيع وسـط لامبالاة إدارية أو حتـى من المحيط نفسـه إذ أن إهمـالات الدواوير و عدم تعـاون أهلهـا مع الأستـاذ حتـى علـى المستوى الاجتمـاعي يورث في الغـالب اليأس و يدفعـه أحيانـا بالاكتفاء بالعمـل البسيط داخـل الفصل، كمـا أن الغياب المطلق لبعض المدراء عن النـظر في استحقاقات الأساتذة بل و تواصلهم أحيانـا مـع الكسـالى و القاعدين و تشديد الخنـاق علـى المجدين عبر الزامـات السلـطة الإدارية غـالبا مـا تجعـل المدرس الشريف يطرح أسـئلـة عدة قد تقوده إلـى حـالة الركون مع القاعدين .

      من جهــة أخـرى، يواجـه المدرس مشكـلا آخـرا متمـثلا في الغيابـات المتكررة للمتعلمين في العـالم القروي إذ تجعـل مهمـة التدريس منقوصـة و مترهلـة بفعـل التقطعـات التعلمية التي تخلفهـا الغيابات، فهـاته الأخيرة تؤثر في الصيرورة الاكتسابية و تعيق بنـاء سـلاسل معرفية و تزيد من مضاعفـات التعثر الدراسي كما أنهـا ترهق عمل المدرس بحيث تلزمه بالعودة في كل مـرة إلـى الأنشطـة الغير مدروسـة شرحـا و توضيحـا ممـا يؤثر بدوره علـى الجدولـة الزمنية و يحد من وتيرة التعلم .
إن عـدم استنـفاذ الغـلاف الزمنـي يعود –في نظري – بجذوره إلـى مشكلين : الأول مرتبط بإكراهـات الأقسام المشتركـة كمـا سبق الحديث عنه و الثانـي إلـى التغيبات الفردية أو الجمـاعية ، و في هـاته الحـالة فإن للمدرس خياران : إمـا الاشتغـال علـى أنشطـة الحـاضرين و الاستمـرار في تغطية مضامين الحصص الدراسية و بالتـالي الإعـراض عن العودة إلـى مواضيع و أنشطة المتغيبين مما سينتج عنه بالضرورة تراكمـا رهيبـا في الدروس الغير مفهومـة و تحولهـا في بعد إلـى عوائق ذاتية تحول دون اكتساب القدرة المهاراتية و التعلمية، و إمـا أن يلزم المدرس نفسه عدم تخطـي أي نـشاط تعلمي و إن اقتضـى الأمـر عدم مسايرة وتيرة التعليم فيضطـر إلــى مضاعفة الجهـود و القيام بشروحات إضافية فردية و تذكيرية للآخرين ،الشيء الذي سيستنزف حتمـا طـاقة المدرس و يبدد الكثير من القوى و الأزمنة المدرسية مضافـة إلــى أعـباءه و أتعـابه اليومية العـادية .

     إن مـا يُـمَكِّـن المدرس من التحكم فيه بخصوص إعـاقات التعلم الذاتية تـظل مسـاحـة قابلـة للترميم التربوي، لكن إعـاقات التعلم من النـاحية الموضوعية تمثل تحديا خـارج السيطـرة أحيانـا ، و من بين مـا لا يمكن التحكم فيه في مجـال منظومـة التربية والتكوين بالنسبة للمدرس مشكـل ظـاهرة الإنجـاح الإجباري الذي تنهـجه الوزارة تحت مسمــى “الخريطـة التربوية” بخصوص المستويات الفردية مـع مشروع مدرسة “جميعـا من أجل مدرسـة النجـاح”، للأسف هـذا الخيار الإنجـاحي القسري الذي لا يأبه للاستحقاق و الكفاءة خلقَ مآزقَ حقيقية و أوجــدَ مفارقات عميقة في الفصل الدراسي أفرزت تشكيلات متناقضة و خرائط عقلية متنـافرة في صفوف المتعلمين يستحيل التوقيف بينهـا أو حتـى التقريب بينهـا كأنْ نجد متعلما في المستوى الرابع لا يتهجـى القراءة و لا يحسن الحساب أُنــجِِــحَ قسرا بموجب مطـالبات “الخريطة المدرسية” التي تنظر إلـى الاعتبارات المـادية دون الاستحقاقات التعلمية، فرغـم النتـائج الهزيلـة المحصل عليهـا لبعض المتعلمين و رغم مـلاحـظات الأساتذة حول مردودية المتعلم إلا أن الغريب أنْ يُــنــقَــلَ عنوة إلـى المستوى الموالي خوفـا من التكرار الذي يولد اكتظاظا و بالتـالي ميزانية مـالية أخـرى ، بل أن المرء يعجب أيمـا عجب حينمـا يسمـع بوجود معـاق (صم بكم) في المستوى الثالث مثلا و هـلا أصلا لا يتكلم و لا يسمع كيف انتقل بلا أدوات إدراك ! إن الإنجـاح القسري يتناقض تمـامـا مع المقاربـة بالكفايات لأنـه أسلوب يعتمـد علــى تغليب “المنفعـة” المـادية علـى الجودة التربوية، و هـو خيار يكرس النظرة “المقاولاتية” في التعـامل مـع قطـاع حساس كقطـاع التعليم، و كـل التجـارب أثبتت أنه فعـلا أفرز مطبات تربوية محورهـا الرئيسي استمرار مسلسل تعثر المتعلم و استحـالة معـالجة نتائجهـا الكـارثية في أقسام مشتركـة تعج بالمتنـاقضات ، فالطفل و هـو يلج لأول مرة فضاء المدرسـة في سن صغير عندمـا لا يأخـذ حـظه من التعلم فيتم رفعـه بعد ذلك إلــى مستوى آخـر بلا مبرر تربوي فإن القضيـة تصير أشبـه بلعبة أبطـالهـا أطفال ضحـايا يقعون أسـرى تخطيط يهـدر حقهم في الفهم السليم و التعلم الجـاد .

   تلكـم بعـض مـلامـح الأزمـة كمـا نراهـا في العـالم القروي، و الحـال أن نظام التربية و التعليم في هـذا العالم الغريب لا زال يترنـح بفعل أمراضهـا المتجذرة في واقع المـارسة، و مـا ذكرنـاه لا يعدو أن يكون تأملات عـابرة أملتها تجربتنـا الشخصية في العـالم القروي و إلا فإن في ذاكرة الأساتذة الأفاضل  مـا يزيد هـذا بؤسا و قتـامـة لواقع أريدَ أن يكون عنوانـا دائمـا للأزمـة التعليمية و الله أعلــم .
 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد