رأفة بفقراء بلدي

كريم السعيدي

ان مقولة المغرب النافع والمغرب غير النافع، تعد مؤشرا مرجعيا عند الحديث عن الفقر بالمغرب.
فرغم التحولات التي عرفها المغرب في العديد من الجهات والمدن في شكل مبادرات رامية الى ملامسة هذه الظاهرة، فانها  لم تساعد في تقليص دائرة الفقر، ولم ينعكس ذلك إيجابا على نسبة الفقر والفقراء .
اذ  يكاد يكون الفقر أن يكون حالة عامة تعرفها مختلف الجهات والأقاليم رغم اختلاف النسب وتباينها.
ويتحدد الفقر بشكل عام بالنقص الحاصل على مستوى الموارد المادية، كالدخل وظروف العيش من مأكل ومشرب وملبس.

    لكن المشهد في المغرب يشكل مفارقة غريبة في التعاطي مع هذه الفئة( فئة الفقراء)، خاصة وأنها تشكل محط اهتمام حكومات متعاقبة سعيا وراء تحسين مستواها والتقليل بذلك من نسبة الفقر بالمغرب.
حيث يمكن الوقوف عند الأبعاد التالية كمؤشرات على هذه التناقضات أو المفارقات العجيبة والغريبة:
لقد كان من الأجدر رفع شعار محاربة الغنى الفاحش بدلا من محاربة الفقر، طالما وأن العدد سيكون ضئيلا بالمقارنة مع عدد الفقراء.
كما أن المؤشرات التي ينبغي الاعتماد عليها لرصد الظاهرة ستكون أكثر وضوحا مما عداها.
حيث البون الشاسع بين الفئات داخل التراتبية الاجتماعية بالمغرب تحيل الى غياب شجاعة وارادة سياسيتين لمحاربة الفساد، سواء لدى الأغلبية و المعارضة على حد سواء.
خاصة،لدى هذه الأخيرة، بالنظر الى ما تتوفر عليه من معلومات واطلاعها على خبايا الملفات  بالاستناد الى الفترة الطويلة التي قضتها في دفة التسيير الحكومي بالمغرب.

الفقر يعد مكونا أساسيا من مكونات الخطابات السياسية عموما وبرامج الأحزاب خلال الحملات الانتخابية، فلا يخلو خطاب من هذه الآفة وتوعدها بالأسوأ، كما لا يكتمل برنامج حزب سياسي دون أن تؤثث هذه الظاهرة أركانه وسطوره.
لكن كل ذلك يبدو مجرد مسرحية ديمقراطية” قول ما نريد وسيفعلون ما يريدون”وكأن محاربة الظاهرة سيفقد هذه البرامج والخطابات مصداقيتها وبريقها، ذلك أن مطالب العديد من فئات هذا البلد الحبيب تجد في هذه الظاهرة سببها الأزلي.
هكذا يصبح التلازم الوجودي بين فقر/ خطاب أو فقراء/ برامج، سندا لاستمرار الظاهرة ورعايتها أو حمايتها من الانقراض ان صح التعبير.
وأصبح بذلك المجال السياسي مجال الاغتناء السريع وبأبسط السبل وأيسرها لحمل من كان بالأمس حرفيا صغيرا الى مليارديرا اليوم لا يملك الشجاعة ولا يستطيع أن يصرح بممتلكاته ويرفع بالمقابل شعارات براقة” الشفافية والديمقراطية ومحاربة الفساد.
.
.

هذا الشعار” محاربة الفقر” تجند له “تجار الحرب” كالعادة، طالما وأن لكل حرب تجار.
أسست على اثر ذلك جمعيات وتعاونيات ، ورصدت أموال طائلة، أرقام خلفها أصفارعدة، لكن ويا للأسف كانت الأصفار من نصيب الفقراء كالعادة والأرقام عرفت طريقها المرسومة سلفا الى حسابات بنكية.
فأشخاص اعتدنا عليهم أمامنا لايملكون شيئا أو .
.
.
وبفضل ما يسمى”المجتمع المدني”أصبحوا يقتنصون الفرص من هذا المجال الى ذاك الى آخر بحسب التوجهات المرسومة والموجات المواتية.

الفقراء أصبحوا مادة دسمة لقنواتنا الإعلامية عكس كل قنوات العالم بأسره.
ففي جل القنوات التي نتابعها تكون عين الكاميرا مركزة على النجوم، نجوم الكرة أو السينما أو رجال أعمال.
.
.
تترصد خطواتهم ومبادراتهم ومشاكلهم العائلية والعملية وحتى الشخصية.
.
.
.
.
.
لكن قنواتنا المسكينة تستقوي فقط على الضعفاء لإغناء “برامجها”حتى لو كان ذلك على حساب معاناتهم النفسية والشخصية.
فتراهم يحكون مشاكلهم ويجلس أمامهم من يتكفل بتحليل ذلك نفسيا.
لكن كلنا نتذكر أحداث لأبناء المحظوظين في هذا الوطن أمام القضاء ويسارعون الى الاحتماء بالشواهد التي تثبث مرضهم النفسي والعقلي أحيانتا هربا من المتابعة والملاحقة القضائيتين ولا يشكل ذلك مادة اعلامية لهذه القنوات، فلماذا يا ترى؟؟؟؟

 ان مسألة التعاطي مع الفقر، من طرف المسؤولين والمدبرين للشأن بالمغرب، ينبغي وأن تتم في فصل تام عن منطق الهبة أو التصدق، بل ينبغي تناولها واعتمادها كحق لهؤلاء، حقهم في العيش الكريم تحقيقا لمبدأ العدالة الاجتماعية.
غاية تجد سندها في احترام الخيارات الديمقراطية في بعدها التنموي بالموازاة مع ربط المسؤولية بالمحاسبة واقرار مبدأ من أين لك هذا بشكل عملي لا محيد عنه.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد