هل رحل الكاتب الكبير الروائي غابرييل غارسيا ماركيز؟

عمر ح الدريسي

“عشتُ لأروي” أو أكتب لأبقى حيا؛ الكاتب العظيم هو من له قدرة الإصرار و الإمساك فجأة باللحظة الدقيقة التي تنبثق منها الفكرة “مثل الصياد الذي يكتشف فجأة، خلال منظار بندقيته، اللحظة التي يقفز فيها الأرنب”.
الكاتب العظيم هو من  يعرف بأنّ القصة تُولد ولا تُصنع، كما أنّ الموهبة ذات قيمة أساسية، إلا أنها بالطبع، لا تكفي لوحدها، المهم لدى الكاتب الموهوب هو أن يتعلم، أن يمتهنن، أن يصقل كيف يكتب بخبرة متعلم و وعي الإنسان، الحكيم المثقف، المطلع.
.
.
، كيف يبدع، ليكتب بحب، ومن دون ضجر بالنسبة للقراء.

دشن غابرييل غارسيا عهده مع الكتابة منذ الصغر إذ يعترف: ” كانت حكاياتي في معظمها أحداثا بسيطة من الحياة اليومية اجعلها أكثر جاذبيه بتفاصيل متخيلة ‏كي يصغي إلي الكبار، وكانت أفضل مصادر إلهامي هي الأحاديث التي يتبادلها الكبار أمامي ‏لأنهم يظنون إنني لا افهمها فيشفرونها عمداً كي لا أفهمهما لكن الأمر كان خلاف ذلك، كنت ‏امتصها مثل إسفنجة ثم افككها إلى أجزاء واقلبها لكي أخفي الأصل، وعندما أرويها للأشخاص ‏أنفسهم الذين رووها بينهم، تتملكهم الحيرة للتوافق الغريب بين ما أقوله وما يفكرون فيه”.

“عشتُ لأروي”؛ يقول  الروائي غابرييل غارسيا أن “نصف الحكايات التي بدأت بها تكويني سمعتها من أمي.
و هي لم تسمع مطلقاً أي كلام عن الخطاب الأدبي ولا عن تقنيات السرد ولا عن أي شيء من هذا.
لكنها تعرف كيف تهيئ ضربة مؤثرة وكيف تخبئ ورقة آس في كمّها خيراً من الحواة الذين يخرجون مناديل وأرانب من القبعة”

“عشتُ لأروي”؛ رواية  “مائة سنة من العزلة”، رواية تتسم بالحكاية  و كأنها “ألف ليلة وليلة” الشرقية العربية، و التسلسل غير المنسجم و كأنها بدايات بلا نهايات، صراع  أسطوري عبر الأجيال،  يروي الكاتب أحداث المدينة من خلال سيرة عائلة “بوينديا” على مدى ستة أجيال والذين يعيشون في قرية خيالية تدعى “ماكوندو”،  من خلال الأحداث، عمل  غابرييل غارسيا  ماركيز -بشاعريته و خياله الثاقب و سحر حبكه الواقعي- على فضح تاريخ الحروب والديكتاتوريات في القارة المشبعة بالأسطورة والأبطال والطغاة.
القارة التي لم تحظ ببرهة طمأنينة نتيجة العنف والمظالم، فعاشت عزلة قسرية، لذالك ربما عنون روايته ب “”مائة سنة من العزلة”.

و لفك تلك  العزلة عن المجتمع الأمريكي اللاتيني أتى الكاتب  برواية  “الحب في زمن الكوليرا”، حيث أعتبر  الكاتب أن الاهتمام بالحب و الجمال  و الرومانسية هو السبيل الأفضل  لإبحار بأمان ضد الظلم و الاضطهاد، و هو وقود الأمل  في الحياة  “لقد كنت مؤمناً على الدوام بأنّ الحب قادر على إنقاذ الجنس البشري من الدمار وهذه العلامات التي تبدو ارتداداً إلى الوراء هي على العكس من ذلك تماماً في الحقيقة: إنها أنوار أمل”، و يضيف: “إن هذا الحب في كل زمان وفي كل مكان، ولكنه يشتد كثافة كلما اقترب من الموت”.

“عشتُ لأروي”؛ لم يكتف كاتبنا بالرواية  و المسرحية و اللغة الشعرية فقط: بل كان مناضلا و إعلاميا، أعلن تخوفه من السلاح النووي المنتشر عبر العالم مطلع القرن الواحد و العشرين، وتخوفه من قتامه الأوضاع الاجتماعية و الهيمنة و الاستغلال الإمبريالي، أبدع  في السرد و الوصف و حبك الحكايات الممتعة  التي تشد القراء شدا بليغا، له مواقفه واضحة  “رواية : خريف البطريرك” في  مناهضة الاضطهاد والعنصرية والديكتاتوريات المتناسلة عبر العالم.

ربما كان  يساري الهوى السياسي،  تقدمي الأفكار و القناعات، يقول الجامعي البريطاني جيرالد مارتن  مؤلف كتاب سيرة الروائي غابرييل  غارسيا  و ترجمه  إلى اللغة العربية،الدكتور محمد درويش:”.
.
.
كان بوليفار وآليندي ونيرودا وفوينتس وعمر توريخوس وكورتاثار وكاسترو من الذين احتفى بهم، وعزز بهم مواقفه.
.
“، إلا أن هذا لم يمنع غابرييل حسب كاتب سيرته في نسج علاقات مع الشخصيات الغربية  النافذة مثل  فرنسوا ميتران الرئيس الفرنسي ، ملك اسبانيا، عائلة كلينتون.
.
.

شهر غشت عام 2001، و بعد تردد كبير و للأمل في حياة أفضل لزوجته و أولاده، قال حين وقع العقد مع هوليود لتحويل رواية “الحب في زمن الكوليرا” إلى فيلم سينمائي: ” لقد كبرت وكل نفس ذائقة الموت، ولا بد من التفكير بتأمين مستقبل الأولاد، ومعهم زوجتي، التي أحبها منذ نصف قرن ولا استطيع أن أغادر وأتركها في مهب الرياح .
.
.
“.

إِنْ تخلى بعض المثقفين العرب عن قضية فلسطين، لم يتخلى عنها  غابرييل غارسيا ماركيز، بل نافح عنها عبر مواقفه الكثيرة المضيئة في مسيرته الحافلة بالمبادرات الخلّاقة؛  إذ نشر عام 1982 بيانه الشهير عن مجزرة صبرا وشاتيلا، وفي العام 2002، ندد باقتحام القوات الصهيونية المدن الفلسطينية في الضفة وأصدر البيان الناري الذي ندد فيه بمواقف الكتّاب والمثقفين المتخاذلين في العالم، وقال في نهاية البيان: “لكل هؤلاء أقول أنا غابرييل غارسيا ماركيز أوقّع هذا البيان منفرداً”.
.

من رواية “قصة موت معلن” تحكي عن جريمة قتل قام بها التوأمان “فيكاريو” دفاعاً عن شرف أختهما ضد “سانتياجو نصار”، ومع هذا فلم يتحرك أحد لمنع الجريمة.
.
.
مع أن الأدلة لم تكن ثابتة على الضحية، هل معنى ذلك أن هذه المدينة بأجمعها، برجالها ونسائها وسلطاتها ، بل وأكثر من ذلك أصدقاؤه أيضاً، كانوا يريدون الخلاص من “سانتياجو نصار”، ذاك في الروية أما الواقع، فعلى فراش المرض، غابرييل غارسيا ماركيز ، لم يستسلم،  فكتب رسالة إلى أصدقائه و محبيه غبر العالم “.
.
.
لقد تعلمت منكم الكثير أيها البشر.
.
.
تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه.
.
.
حافظ بقربك على مَنْ تحب، أهمس في أذنهم، إنك بحاجة إليهم، أحببهم واعتني بهم، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب التي تعرفها.
لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار .
.
.

لقد غادر هذا العالم من قال:” .
.
.
.
.
.
ليس العمر ما يملكه المرء من سنوات, بل ما يملكه من أحاسيس”،  صاحب الإبداع السحري الواقعي، صاحب جائزة نوبل للآداب لعام 1982، غادرنا الروائي العظيم  يوم أمس الخميس 17 أبريل 2014، عن سن تناهز87 من منزله بالعاصمة المكسيكية ، بعد معاناة مريرة مع المرض، ، و قد نعاه  الرئيس الكولمبي بقوله: “العظماء لا يموتون أبدا”.
و نعاه أيضا الكاتب الكولومبي الكبير، الدكتور عمار علي حسن، قائلًا: البشرية فقدت واحدًا من أعذب الأقلام، ومخيلة من أخصب المخيلات، وكاتبًا كبيرًا من كتاب القرن العشرين”.

لم ترحل السيد غابرييل غارسيا ماركيز، فأعمالك  ستخلدك: لم تمت,,انك حي في الكلمات.
.
.
 كل عبارة في أعمالك درس بليغ وحكمة مستقلة …

*كاتب إعلامي

E-mail :drissi-omar1@live.
fr

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد