حــــرية بتاء مبسوطــة

 اشقندي مراد    

  بين شباب مضى غير مأسوف عليه  و رجولة لم يحفل بها أحد،  يراودني  حنين إلى طفولة مفقودة، مستجديا ذاكرتي المشبعة بمشاغل الحياة أن تجود بذكرى و تفاصيل  ذاك الطفل،  شخصياته،  رسوماته،  وأحلامه الوردية  ببطولاتها  الوهمية ، على أمل أن أجد فيها شيئا من هذا الرجل.
.
.
.
  وبين التذكر والنسيان أفقد أحلام الطفل و حقيقة الرجل ليضيع بداخلي معنى الانسان، وتذرف عيناي دمعا خفيفا و يأخذ صدري نفسا عميقا حين تسعفني ذاكرتي و تعبر بي لأول لقاء لي مع ” الحرية ” وكيف راقني مفهومها والمعلم يشرحها لنا وفي عينيه حسرة دفينة غامضة.

         قال:” إنها ضد القيد و الأسر والسجن  ضد العبودية و الاستبداد، إنها مبتغى كل انسان فهي تجعله لا يخضع لقهر أو قيد أو غلبة جاه أو سلطان، لانها فطرية  فينا حيث ولدتنا أمهاتنا أحرارا و هي  أصل كرامتنا و وجودنا.
.
.
.

            حينها و أنا طفل  وجدت في نفسي شيئا من هذا المعنى  و أحسست أني فهمت الدرس جيدا”.

               في حصة الإملاء طلب منا المعلم أن نكتب على الألواح كلمة  “حرية” ، فكتبتها معرفة و بتاء مبسوطة ، كتبت ” الحريــت ” ثم رفعت لوحتي دون انتظار الإذن من المعلم كما عودنا دائما،نظر إلى لوحتي باحتقار و سخرية و  أمرني أن أقوم إلى  السبورة  و ارفع لوحتي أمام زملائي، وبعد ها خاطبهم صارخا:” أهذا صحيح؟؟؟”

                أجاب الجميع بصوت مرتفع:” لالالا يا أستاذ خطأ”.

              وبعد أن أخذ الشرعية التي لا يحتاجها من صراخهم، صفعني و هو يقول: ” هل أنت أصم؟.
.
.
أنا قلت “حرية” نكرة بدون تعريف فلم كتبتها معرفة؟”

                ومع أن سؤاله كان استنكاريا لم ينتظر عليه جوابا قلت بصوت متقطع و حشرجة تواري البكاء الذي لم أشأ أن أعلنه أمام زملائي عزة وأنفة :” أستاذ…لم أظن أنك ستطلبها منا نكرة و أنت الذي شرحت أننا نعرفها منذ ولادتنا و أن الله أودعها فينا بالفطرة و ليس لها أوجه متعددة فهي نفسها في كل مكان و زمان و عند كل الشعوب  والأمم  معروفة و معناها ثابت لا يقبل التأويل فلماذا تطلبها  نكرة إذن؟

            قال بصوت عال محرَجا و هو يعاود  صفعي على الخد الاخر، حين  رأى في أعين التلاميذ ما لم يعجبه بعد أن تكلمت في غير موضع الكلام و أجبت حينما لا يُستحب الجواب ، قال :” فلماذا كتبتها بتاء مبسوطة؟”

            لم تجبه دموعي  التي تنهمر على خدي الأحمر في صمت، و بصوت يعتريه الارتباك من ضعف الألم و قوة  الإصرار، وبالرغم من أن سؤاله كان استنكاريا مرة أخرى إلا أني أجبت و قلت: لم أشأ يا أستاذي العزيز أن أربط تاءها  بعد ما رأيت في عينك ألما و أنت تخبرنا أنهم  جعلوها  تمثالا من حجر مسلوب الإرادة يتبرأ منه اسم الحرية، و أنت الذي شرحت لنا أنها لا ترضى  القيود و الأغلال و السلاسل لأنها تحارب كل أشكال القهر و  العبودية ، فهي تبقى أبية شامخة، لا تخضع لتهديد أو مساومة  لأن جوهرها صاف  أصله التحرر و الترفع عن ضيق الزمان و المكان ، أنها شمس تشرق في كل النفوس تُحَس و لا تُدرس،  يحس من ذاق طعمها نفسَه عفيفة زكية تأبى دونها المنية،  فعز علي بعد هذا كله ربط تائها فجعلتها حرة طليقة  و كتبتها بتاء مبسوطة.

       خيم صمت رهيب على القسم.
و بعيون ملؤها الحيرة و الاصرار على تصحيح  خطئي تابع  المعلم أسئلته، لكن هذه المرة دون صفع ولم تكن استنكارية فقال لي : “ألم أشرح لك يا بني أن التاء المبسوطة ميزة للأفعال؟ !!”

      بعفوية  الأطفال  و بدموع تنهمر استفزها هذه المرة حنان و رنة صوته لا قسوته،  أجبته : ” بلى  أستاذ لكن ظننت أنها أصل كل الافعال فلا فعل يتم بدونها،  و كيف للفعل أن يكون دون حرية ؟ فظننت أن خصائص الأفعال من خصائصها؟ !!”

       عاد  الصمت  ليخيم من جديد، و الاستفهام يغزو عيون التلاميذ  فبدأ بعضهم يجرب كتابتها على ألواحه كما كتبتها معرفة و بتاء مبسوطة ، رأيت الاستاذ حينها و قد جن جنونه  و هو يصرخ: ” لا لا .
.
.
.
الحرية بتاء مربوطة،  لا بأس من تعريفها فأنا أمليتها نكرة لأني فقدت شيئا منها،  لكن تاءها مربوطة، هكذا تعلمناها  وهكذا ستجدونها في كل المعاجم”.
التفتَ إلي مردفا:  ” لن يعذرك و لن يقتنع بكلامك أحد، أعتذريا بنيَ  إن كنت عاقبتك و أنا المخطئ  حين شرحت لك معنها  بتاء مبسوطة، و هي تكتب بتاء مربوطة.
فصحح خطأك يا بني  على  لوحتك و اتركه في أعماقك.
.
.

         قلت له:” هل تسمح لي أن أصححها بلون أحمر يا أستاذ ؟ “

          قال: “لا بأس .
.
.

        عدت إلى مكاني بعد أن كتبتها بتاء مربوطة و بلون أحمر دون تعريف.

نظر إلى لوحتي  و بصوت يائس كمن فقد حبيبا عزيزا لا يأمل عودته خاطبني : ” أتركها معرفة لا بأس”

 قلت : “لا.
.
.
فقد فقدت بعضا منها”

        ابتسم  ليواري  حزنا عميقا رسمته أعينه على جبينه و لم يعقب.

   قال مخاطبا الكل: “خذوا التصحيح في دفاتركم”

      دون أن ننظر إلى السبورة كتبناها بتاء مربوطة، رفعنا أعيننا بعد الانتهاء  في حركة اعتيادية  فوجدنا أنها ، سهوا أو قصدا، قد كتبت بلون أحمر و تاء مبسوطة.

                                                                                                                

                         

                                  إلى روح معلمي » السليماني محمد« 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد