جاسوسة فوق العادة .. ! 1/4
عبد اللطيف مجدوب
صفقة منتظرة في الموصل.
.
.
بغرفة منزوية جانبا وسط حطام سيارات محترقة .
.
وأنقاض مباني ؛ لم يعد يتراءى منها سوى أضلع خرسانة متلاشية .
.
كشفت عن قضبانها الحديدية معقوفة وهي موجهة إلى عنان السماء.
.
جدارية غطت جانبا من الغرفة .
.
تحمل شعارهم الحربي ، وأسفل منه بندقيتان من نوع الكلاشينكوف .
.
كانت نظراته الحادة لا تفارقهما وهو يقعد القرفصاء إلى جانب رجل ربع القامة ولحية كثة وعصابة سوداء أرسل منها طرفا إلى قفاه .
.
.
الشيخ أكرم رفع بصره من خرائط معقدة كانت تؤثث الطاولة .
.
توجه إلى جليسه وهو يدعك لحيته بأصابع أنامله الخمسة : مرحبا بأخينا عمر الفارس .
.
كيف تركت الميدان ؟
عمر الفارس : يستل وثيقة من حقيبة جلدية يتمنطقها .
.
.
المعارك على أشدها .
.
والكفار في طريقهم إلى الاندحار.
.
هذه الليلة أو في صباح اليوم التالي .
يتسلم الشيخ أكرم الوثيقة ليفضها على الطاولة .
.
قبل أن يأخذ في قراءتها ، وهو يداعب لحيته بأصبعين .
.
يفتل خصلة مرة ليطلقها أخرى ، وفجأة فغر فاه ؛ وسط غابة من الشعر الكث ؛ وأرسل قهقهة مدوية ليستتبعها قائلا وعيناه محمرتان كجمرتين متقدتين : حياك الله يأباحفص .
.
! والله إنها لفكرة ستروي أرض الشام بخيراتها إن شاء الله .
.
قالها وهو يهم بفتح جهاز لاسلكي عسكري يضعه على كتفه .
.
.
“الله أكبر .
.
الله أكبر! الله أكبر .
.
الله أكبر! يأباحفص.
.
والله أسعدتنا بما أوحى الله إليك من فكر ثاقب ورأي سديد .
.
“
” الله أكبر .
.
الله أكبر! الله أكبر .
.
الله أكبر! الشيخ أكرم إن القافلة في طريقها إلينا .
.
وسنعمل على تطهيرهن قبل أن يتحملن مهام الفصل والهلاك والثبور .
وفي انتظار تعليمات قائدنا المظفر الخليفة أبي بكر البغدادي حفظه الله ، سألتحق بالقافلة حال دخولها مياه دجلة إلى مرفإ الموصل .
.
“
نهض الشيخ أكرم واقفا ، ومد يده إلى الكلاشينكوف وبعض الخراطيش .
.
توجه صوب الباب ونادى : أبا عثمان .
.
أبا عثمان ! .
.
.
حاضر شيخنا .
الصوت لرجل بدين مدجج بالسلاح ، كان على مقربة من غرفة الشيخ أكرم ؛ يعتلي كومة من أنقاض الخرسانة ،، ليطل منها على غور سحيق هناك يتحسس الشاذة والفاذة .
.
” أبا عثمان.
.
! سأغيب عنك .
.
في مهمة خاصة أناطني بها أبو حفص .
.
هل الناقلة جاهزة ؟ “
” نعم شيخنا .
.
صحبتك السلامة .
.
“
استقل الشيخ أكرم سيارة بلون عسكري من نوع طويوطا ؛ كانت مركونة خلف أغصان شجرة آيلة للسقوط ؛ مزودة بجهاز اتصال لاسلكي وشاشة رادار.
.
أخذ مقعده أمام عجلة القيادة .
.
أدار المحرك ، ورفع السماعة إلى أذنه : ” الله أكبر .
.
الله أكبر! أبا سفيان .
.
حياكم الله (( وأما بنعمة ربك فحدث )) ” قالها كشفرة تربط أعضاء التنظيم ببغداد ونواحيها .
فلم يطل انتظاره حتى جاءه الرد على الفور ” الله أكبر .
.
الله أكبر! حياكم الله الشيخ أكرم .
.
وصلتنا للتو رسائل مشفرة لأنباء عن عزم الكفار الصليبيين بضرب مواقع لنا في تكريت وكركوك .
.
فعلينا بلزوم مغاورنا ريثما تمر عاصفة الشياطين .
.
.
ألبسوا آلياتكم تمويه الأشجار والدواب ، ونكسوا أعلامنا إلى حين .
.
الشيخ أكرم يمكن لك التقدم قليلا لمسافة سبعة أميال .
.
وحتى نجدد بك الاتصال .
.
(( لا إله إلا الله )) ” كانت هذه الأخيرة “كلمة التوحيد” بمثابة الأمر بإقفال الخط .
أطل الشيخ أكرم من كوة نافذة طويوطا برأس مكشوفة شبه حليقة .
.
ونظر إلى السماء .
.
كانت هناك بقايا سحب متبددة ، تعلو الأفق تتلاحق سراعا بفعل الرياح الهوجاء التي كانت تعوي هنا وهناك في القمم والسفوح ، مخلفة موجة من غبار الرمال شبه صحراوية .
.
تحسس بيده سطيحة وجهه التي كانت تتفصد عرقا بفعل الجو الرطب الذي يسود المنطقة .
.
ثم أدار المحرك من جديد .
.
وجنح نحو طريق مترب شبه صحراوي .
.
وبين فينة وأخرى كانت تحين منه التفاتة إلى شاشة الرادار ؛ يتعقب بنظرات حادة وجاحظة خطوطها البيضاء والزرقاء .
.
كان الطريق يمر بخرائب متراكمة لأبنية بلدات تم دكها تحت نيران طيران التحالف الذي حولها إلى أثر بعد عين .
.
والمكان شبه مقفر إلا من صوت عقبان تحوم حول المكان .
.
.
كانت حرارة المحرك مرتفعة ، فلم يكن من الشيخ أكرم إلا أن توقف عن السير ، وفتح الباب ثم ترجل نحو جذع شجرة ذابلة يريد أن يحتمي بها من شدة حر ذلك اليوم القائض .
.
.
دفن رأسه بين ذراعيه قاعدا القرفصاء ، وفجأة تذكر معاودة الاتصال به من طرف قاعدة الموصل .
.
فأسرع إلى تشغيل سماعة السيارة والرادار ، وكم كانت دهشته كبيرة وهو يرى أحد خطوط الرادار تحول إلى اللون الأحمر وإشارة الخطر تصك الآذان بصفيرها .
.
.
رفع السماعة في محاولة الاتصال .
.
لكنه تعذر فأقفل هاربا إلى الخلف .
.
غير بعيد عن ناقلته .
.
وسرعان ما انتهى إلى مسامعه صوت هدير يقترب من المكان ، فحسب أن الأمر يتعلق بفيلق تابع لدولتهم في طريقه لتعزيز مؤونة الشمال ، فنهض واقفا وأسند ظهره لمؤخرة طويوطا .
.
ولم يدم انتظاره قليلا حتى تكشفت له في الأفق أسراب طائرات أمريكية مزمجرة كالنحل ؛ تعبر المنطقة ؛ .
.
أصابه وجوم وهو يتعقب بنظراته تواريها خلف قمم شاهقة .
.
فأسرع إلى داخل الناقلة وأدار محركها يريد البحث عن مكان آمن .
.
.
وبينما هو كذلك إذا بقذيفة كالصاعقة تنزل عليه من السماء .
.
فحولته وناقلته إلى أشلاء وشظايا متناثرة في السماء .
.
وسط ألسنة اللهب والدخان .
.
في حين كان جهاز السماعة يشتغل وصوت يردد ” الشيخ أكرم .
.
! الشيخ أكرم .
.
!أجبني أين أنت .
.
” هدأت نيران الحرائق وساد المكان سكون رهيب غلفته جحافل الظلام التي أتت على نواحي المنطقة .
.
! وفي تلك الليلة البهيمة لم يكن لشيء أن يخترق سكونها وظلامها الدامس سوى هدير آليات تجد طريقها نحو موقع الشيخ أكرم .
توقفت القافلة ؛ وهي عبارة عن سبع سيارات مدرعة ؛ ترجل بعضهم في جنح الظلام ؛ وهو يتلمس آثار الفاجعة تحت أضواء كاشفة لمصابيح يدوية ، فأخذ يصيح : ” ويلكم .
.
ويلكم .
.
أيها الشياطين الصليبيين ! سنمحقكم يوما ولنقطعنكم إربا .
.
إربا .
.
الفاتحة للشيخ أكرم .
.
“
” الله أكبر.
.
الله أكبر.
.
(( وأما بنعمة ربك فحدث )) أبا سفيان.
.
.
!كيف تم التعتيم على راديو الشيخ أكرم .
.
حتى أصبح في واجهة نيران الصليبيين ؟ “
” الله أكبر.
.
الله أكبر.
.
قائدنا أبا القاسم .
.
.
!أخبرناه بلزوم الحذر ، لكن خللا ما حصل فتعطل خط الاتصال بيننا (( لا إله إلا الله )) ” .
.
حدق أبو القاسم في أنحاء المكان قبل أن ينادي في صحبه : ” لنعد أدراجنا ، ولعلنا سنكون على موعد للقاء القافلة في الموصل عند مشارف الصبح .
.
“
أعيد تشغيل محركات الآليات وأخذت تعبر الواحدة تلو الأخرى عائدة من حيث أتت .
.
.
كان وجه أبي القاسم واجما لا يفتأ ؛ مرة بعد أخرى ؛ ينعل ويتوعد .
.
وإلى جواره أمام عجلة القيادة عبد السلام يضع نظارة طبية بزجاجتين مقعرتين يتلمس بها شريط الطريق الذي كان يبدو أشبه بأفعوان يحيط بجبل من سفوحه إلى أعاليه ، وفي لحظة ما سأل عبد السلام : ” لا تنس أن تذكرني .
.
؛ عندما سنكون على مشارف الموصل ؛ بالتوقف عند منزل أهل الشيخ أكرم .
.
“
” يقال بأن له خمس نسوة .
.
جلبهن من قبيلة البشمركة .
.
“
” هيا ياعبد السلام انتبه للسير فإننا نمر بمنحدر وعر .
.
.
هل لديك سيجارة ؟.
.
ناوله إياها فأخرج عبد السلام ولاعته وولع بها السيجارة في ضوء شعلة صغيرة كشفت عن وجه متغضن وعينين حمراوين ولحية وشارب حولت وجهه ورأسه إلى هامة سوداء.
.
!
أخذت أنوار الصباح تنبلج ، وعلى إثرها بدأ في الظهور ؛ على جنبات الطريق ؛ تناثر غبار لعجلات مصفحات ، وهي تهدر على مشارف مدينة الموصل ؛ التي بدت كما لو كانت تزيح عنها بقايا بقع الظلام .
.
في أسفل السفح وغير بعيد عن مباني المدينة ؛ توقف عبد السلام ؛ فتوجه هذا الأخير إلى أبي القاسم الذي يبدو أنه ذهب في نوم عميق .
.
” أبا القاسم .
.
أبا القاسم .
.
!لقد أصبحنا الآن بمحاذاة منزل أهل الشيخ أكرم .
.
فهلا طلبتم شيئا ؟ “
أخذ أبو القاسم يدعك عينيه بكلتي يديه .
.
ويتمطى في مقعده قبل أن يفغر فاه : ” سألتحق بكم ريثما أجتمع بأهل الشيخ أكرم.
.
.
” .
.
.
ترجل أبو القاسم في اتجاه مبنى بحراسة رجلين ملثمين .
.
توقف وخاطبهما : ” الله أكبر .
.
الله أكبر! (( وأما بنعمة ربك فحدث )) فما كان منهما إلا أن أفسحا له الطريق .
.
مشيعين له بأيديهم .
طرق الباب نقرتين ليجد نفسه وجها لوجه مع امرأة طاعنة في السن .
.
بادرها قائلا : ” كل نفس ذائقة الموت ، رحمه الله .
.
وهذا أبا القاسم ، ناديني نسوته .
.
دخل غرفة كانت معدة للضيوف وبعد مرور وقت وجيز التحقت بالمكان سبعة نسوة في خمر ونقب سوداء فبادرهن : ” صباح الخير وهذا قدر الله .
.
.
سوف تصبحون ؛ من الآن فصاعدا ؛ من أهلي وعشيرتي ، وهذا عربون حملي لكن على عاتقي .
.
” وكانت عبارة عن صرة بها أوراق خطية .
.
ومالية خاصة بدولة داعش .
.
ناولها لأصغرهن سنا قبل أن ينهض عائدا .
.
.
توجه إليهن بصوت خشن : ” سأتفقد أحوالكن كل ليلة ؛ متى سمحت لي الأقدار الإلهية بذلك ؛ أنعم الله صباحكن .
.
تقدمت إحداهن وشيعته إلى باب المنزل في صمت مطبق .
.
!
في تلك الأثناء كانت الشمس ترسل بخيوطها الذهبية الدافئة إلى المنطقة لتنكشف عن مبان مزدحمة ، وأنقاض لأحياء حولتها الغارات والحروب إلى خنادق ومتاريس وأكياس رمل مكدسة هنا وهناك .
.
.
وبينما أبو القاسم يخترق بمصفحته تلك الأحياء إذ لاحت له عن بعد مداخل نهر دجلة بمياهها الهادئة عاكسة لأشعة الشمس جنوب الموصل .
.
فتوجه إلى عبد السلام : ” قبل أن تغادرني للراحة قل لهم بأن يخصصوا لنا مصفحتين من الحجم الكبير هوندا مجهزتين بوسائل الراحة .
.
“
كان هناك قارب كبير .
.
يبدو أنه متوجه إلى إحدى بوابات النهر .
.
وإذا بصوت يرن في راديو أبي القاسم : ” الله أكبر.
.
الله أكبر.
.
(( وأما بنعمة ربك فحدث )) الشيخ أبا القاسم .
.
! الشيخ أبا القاسم نحن على مشارف الموصل جنوبا والكل على مايرام .
.
.
ننتظركم قبل تسليم البضاعة ” فرد أبو القاسم من فوره : ” يأباحفص.
.
حياك الله .
.
إني على وشك الدخول إلى المرفأ ، ومعي كل التجهيزات التي طلبتموها لتأمين هذه الصفقة .
.
“
كان القارب يبدو فسيحا .
.
على ظهره ظهرت وجوه ملتحية .
.
تذهب جيئة وأيابا على طول القارب وكأنها من رجال خفر السواحل .
.
ترجل أبو القاسم في اتجاه البوابة الجنوبية ؛ بينما كان القارب يدخل المرفأ ، ويقترب من جنبات الرصيف التي غصت عن آخرها برجال مدججين بالأسلحة ورؤوسهم معصبة بخرق بالية تحمل شعار داعش .
.
.
نزل من السلم شخص بدين ؛ يرتدي سترة ظهر من خلفها بندق الكلاشينكوف وبحزام يكشف عن قنابل يدوية مشدودة بإحكام .
.
.
تعانق الرجلان بالأحضان أبو القاسم وأبو حفص على جانب الرصيف ؛ وسط جمع من المسلحين ؛ كانوا هناك منذ الصباح الباكر.
.
أبو حفص مخاطبا رجاله على متن القارب : ” هيا .
.
هيا سنفرغ الحمولة هنا مشيرا بسبابته إلى شاحنتين كبيرتين هناك بلون عسكري مائل للرمادي .
.
.
وبعد حين ظهرت صناديق حديدية ضخمة محمولة بأيادي رجال القارب .
.
تنزل تباعا لتشحن من جديد إلى مدينة تكريت .
تقدم أبو حفص من أبي القاسم وهمس في أذنه : ” إنها عبارة عن أسلحة جد متطورة ، استقدمنا بعضا منها من روسيا والبعض الآخر من إسرائيل .
.
لكن المفاجأة السارة في كل هذا ستظهر بعد حين ”
” كم أنتم أشاوس يأباطلحة .
.
! سأنقل شهامتكم هذه إلى سيدنا الخليفة .
.
“
بعد حين دعا أبو طلحة رفيقه للصعود إلى متن القارب .
.
أدار مفتاحا حديديا في باب ليلج عنبرا رحبا مضيئا ، وعلى كراسي جلدية هناك قعدت فتيات بعضهن في سن الزهور بفساتين بزي أوروبي صرف ، أغلبهن شقراوات ذوات أعين خضراء تتقد ذكاء وشررا .
.
.
وقف أبو القاسم مشدوها أمام مشهدهن ، لكن أبا طلحة حاول التخفيف من روعه وهو ما زال يخاطبه بسرية تامة : ” كل واحدة .
.
تجيد خمس لغات .
.
الإنجليزية والإسبانية والروسية والعبرية والعربية .
.
“
اندهش أبو القاسم ؛ وهو لا يكاد يصدق ؛ حتى العربية ؟!
” نعم حتى العربية.
.
فضلا عن كون معظمهن يحمل مؤهلات دبلوماسية عالية المستوى .
.
وفوق هذا وذاك انضموا إلى صفوفنا طواعية وعن طيب خاطر ، وهن يحملن جنسيات مختلفة ، أمريكية وبريطانية وروسية وإسبانية ، بل والأدهى في كل هذا أن من بينهن من يحفظ القرآن عن ظهر قلب .
.
!!” تقدم أبو طلحة إلى إحداهن وكانت آية في الجمال وسألها في فضول : ” كيف كان سفركم .
.
؟” ردت عليه بعربية فصيحة وابتسامة ساحرة : ” السفر كان مريحا .
.
” التفت صاحبنا إلى أبي القاسم موشوشا : ” تدعى هذه الغادة بفلادوريا روسية الأصل تمتلك قدرات خارقة في اختراق المواقع الإلكترونية الأشد تحصينا في العالم .
.
!!”