باشا ابن أحمد تحت المجهر: حين تتحول السلطة إلى عبء والمجال العمومي إلى صفقة

هبة زووم – أحمد الفيلالي
وسط صمت رسمي مطبق، تتعالى أصوات الغضب بمدينة ابن أحمد، عاصمة منطقة امزاب، احتجاجًا على ما تصفه الساكنة بـ”بيع المدينة لمن يدفع أكثر”.
في قلب هذا المشهد، يبرز اسم باشا المدينة الذي يتهمه السكان بعدم القدرة على إدارة الشأن المحلي وغياب رؤية واضحة لتنظيم الفضاء العام، مما حوّل المدينة إلى مرآة تعكس الفوضى والتهميش.
فالمقاربة التي يعتمدها باشا المدينة في التعامل مع الباعة الجائلين تختزل الظاهرة في كونها مجرد “عشوائية” و”احتلال” للملك العمومي، متجاهلًا الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تقف وراء هذا الواقع المعقد.
فهؤلاء الباعة ليسوا مجرد مخالفين للنظام العام، بل هم في الغالب أبناء الهامش، ممن دفعهم الإقصاء والبطالة إلى الرصيف بحثًا عن لقمة عيش حلال.
الهامش المنسي… والسلطة الغائبة
يؤكد المتتبعون أن الباعة الجائلين ليسوا عبئًا على المدينة، بل ضحايا لسياسات غائبة لم توفر بدائل حقيقية ولا أسواق منظمة.
شباب يرفضون التسول، وأمهات يقاومن الحاجة، وآباء يبحثون عن الكفاف… جميعهم اصطدموا بغياب إرادة حقيقية لتنظيم هذا القطاع غير المهيكل الذي ينمو في ظل غياب حلول عملية وفعالة.
ويبدو أن السلطة المحلية، وعلى رأسها باشا المدينة، عوض أن تشتغل على بلورة تصور شمولي لتنظيم المجال العمومي ودمج هذه الفئة ضمن الاقتصاد المحلي، فضلت المقاربة الأمنية الضيقة والمواقف الانتقائية، والتي زادت من تعقيد الوضع، وأسهمت في خلق حالة من الاحتقان والتوتر بين مختلف الفاعلين.
ابن أحمد… مدينة بلا بوصلة
تحولت مدينة ابن أحمد إلى ساحة مفتوحة لتبادل الأدوار والصفقات غير المعلنة، حيث لم يعد معيار “الحق” أو “المصلحة العامة” حاضرًا في القرارات، بل أصبحت المواقف تُبنى على أجندات ضيقة وصراعات شخصية تضع مصلحة المدينة في آخر سلم الأولويات.
وفي ظل هذه الفوضى الإدارية، تراجعت القضايا الحقيقية للمدينة إلى الهامش، كتحسين البنية التحتية، دعم الاستثمار المحلي، وتنمية القطاعات الاجتماعية.
وأصبح الاهتمام ينصب على تدبير يومي هجين يفتقر إلى الرؤية، ويكرّس مزيدًا من التراجع في صورة المدينة ومستوى عيش سكانها.
من يصحح المسار؟
الأسئلة كثيرة ومفتوحة: من يتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في مدينة ابن أحمد؟ أين هي السلطة الإقليمية من هذا الانحدار؟ وكيف يمكن إعادة الاعتبار للمجال العمومي كمجال للتنظيم وليس للارتزاق؟
في انتظار إجابات واضحة وإرادة فعلية للإصلاح، تبقى مدينة ابن أحمد نموذجًا صارخًا لفشل تدبير السلطة حين تنفصل عن هموم الناس، وتتحول من أداة تنظيم إلى سبب رئيسي في خلق الفوضى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد