هبة زووم – محمد خطاري
في مشهد يعكس تصاعد التوتر التشريعي داخل قبة البرلمان، قرر رئيس مجلس النواب، راشيد الطالبي العلمي، اليوم الأربعاء، إحالة مشروع القانون رقم 02.23 المتعلق بالمسطرة المدنية إلى المحكمة الدستورية، تنفيذاً لأحكام الفصل 132 من الدستور المغربي، وذلك بعد المصادقة عليه من طرف مجلس المستشارين في قراءة ثانية ونهائية.
الإحالة الدستورية جاءت استجابة لضغوط متواصلة من المعارضة البرلمانية وعدد من الهيئات الحقوقية، التي لم تخفِ امتعاضها من الصيغة النهائية للنص، واعتبرته في أكثر من مناسبة “نصاً مثيراً للجدل” لا ينسجم – في نظرها – مع روحية الدستور المغربي ولا مع تطلعات العدالة العصرية.
قراءة ثانية… ورفض سياسي يتجدد
رغم المراجعة الثانية التي خضع لها المشروع داخل غرفتي البرلمان، ظلّت المعارضة ثابتة على موقفها، معتبرة أن الصيغة الحالية لا ترقى إلى مستوى الطموحات المجتمعية، ولا تعكس فلسفة التغيير القضائي الذي يراهن عليه المغاربة، بل تكرّس ما وصفه بعضهم بـ”التحكّم الإجرائي” و”الارتباك التشريعي”.
المعارضة لم تكتف بالتحفظ، بل طالبت بشكل صريح رئيس المجلس بإحالة المشروع على المحكمة الدستورية، وهي خطوة اعتُبرت لحظة ديمقراطية بامتياز، تنقل المعركة من قبة البرلمان إلى فضاء الرقابة الدستورية.
وهبي يرد: لا أملك الحقيقة
وفي جلسة الثلاثاء 17 يونيو الماضي، التي عرفت مناقشة المشروع بالغرفة الأولى، بدا وزير العدل عبد اللطيف وهبي مدركًا لحجم الجدل المحيط بالنص، حيث وصفه بأنه “أخطبوط بأيدٍ متفرعة تطال مختلف القوانين”، قبل أن يضيف، بلهجة لا تخلو من هدوءٍ ساخر: “أنا رجل قانون ولن تزعجني الإحالة على المحكمة الدستورية… أضع القانون للمستقبل وللمغاربة ولا أملك الحقيقة”.
هذا التصريح، الذي حاول نزع الطابع الشخصي عن النقاش، لم يفلح في امتصاص الغضب، بل زاد من جرعة الحذر إزاء مشروع قانون يرى فيه البعض تقويضًا لمبادئ الولوج إلى العدالة وتكريسًا لتعقيد المساطر القضائية.
القانون تحت مجهر الرقابة الدستورية
المحكمة الدستورية، باعتبارها الضامن الأعلى لحماية النص الدستوري من أي خرق تشريعي، ستنظر الآن في مدى مطابقة مشروع المسطرة المدنية لأحكام الدستور، خاصة ما يرتبط منها بحقوق التقاضي، والضمانات الإجرائية، والعدالة في الولوج إلى المعلومة والمساطر.
وإذا كانت هذه الإحالة تحمل في ظاهرها طابعًا تقنيًا، فإن خلفيتها السياسية لا تخطئها العين، خاصة في ظل اتهامات للحكومة بمحاولة تمرير نصوص مفصلَة دون توافق موسع، وبإغفال شبه منهجي للمقاربة التشاركية التي نص عليها الدستور صراحة.
ما بعد المحكمة؟
السيناريوهات الآن مفتوحة: إذا صادقت المحكمة الدستورية على النص، سيكون أمام الحكومة تحدي تطبيقه وسط رفض شعبي ومهني متنامٍ. أما إذا قضت بعدم مطابقته للدستور، فستُعاد الكرة إلى ملعب البرلمان، في مشهد قد يعيد رسم معادلات التفاوض داخل المشهد التشريعي.
في الحالتين، يظهر مشروع المسطرة المدنية كمرآة حقيقية للواقع السياسي والقانوني بالمغرب: واقع تتقاطع فيه الرغبة في الإصلاح مع مقاومة التسرع، ويجتمع فيه الطموح الدستوري مع هواجس التأويل السياسي.
فهل ستكون المحكمة الدستورية هي الفيصل في هذه المعركة القانونية والسياسية؟ أم أن الجدل سيستمر حتى بعد إصدار قرارها؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.
تعليقات الزوار