السعيدية تغرق في فوضى الصيف: من جوهرة سياحية إلى سوق قروي بقبضة لوبيات “الهموز”

هبة زووم – محمد أمين
عندما تُذكر السعيدية، يتبادر إلى الذهن البحر الأزرق، الرمال الذهبية، وأجواء الصيف المفعمة بالحياة، لكن الواقع في السنوات الأخيرة – وبشكل صارخ هذا الصيف – يحكي قصة مختلفة تمامًا.
مدينة السعيدية، التي يُفترض أن تكون وجهة ساحلية واعدة، أصبحت عنوانًا لفوضى عارمة واختلالات متراكمة، تفقدها يومًا بعد يوم جاذبيتها كمنتجع سياحي، وتدفعها نحو نمط عشوائي يُذكر أكثر بالأسواق القروية منها بالمدن الشاطئية المنظمة.
فمع بداية الموسم الصيفي، تحولت العديد من الفضاءات، خاصة المحاذية للبحر، إلى “بازارات” مفتوحة تفتقر لأدنى شروط النظافة والجمالية، بعدما سُمح بشكل مريب بنصب “الكراريس” والعربات اليدوية العشوائية التي تبيع كل شيء، من “الحلزون” و”الذرة” إلى “الصوصيص” و”لعب الأطفال”، وسط خليط من الضجيج والدخان والنفايات.
الغريب في الأمر، أن هذه الفوضى لا تعكس فقط ضعف الرقابة، بل تثير شبهة التواطؤ، حيث يشير العديد من الفاعلين المحليين إلى استفادة لوبيات محلية، تُعرف في المنطقة بـ”لوبي الهموز”، من الوضع القائم، حيث يجني هؤلاء، بحسب ذات المصادر، أرباحًا خيالية من كراء هذه المساحات بشكل غير قانوني، في ظل صمت رسمي محير.
ورغم بعض التحركات المحدودة من قبل السلطات لمحاربة هذه المظاهر، إلا أن تأثيرها يبقى هشًا وغير مستدام، ما دام غياب التنسيق، وافتقاد الإرادة الصارمة لضبط الأمور، هو القاعدة السائدة، فالحملات التمشيطية سرعان ما تتبخر، لتعود الأمور إلى سابق عهدها في غضون ساعات.
والمقلق أكثر هو سلوكيات بعض المصطافين أنفسهم، الذين يعاملون المدينة وكأنها ليست ملكًا عامًا، بل ملكية خاصة مباحة للتخريب. تراهم يرمون النفايات في كل مكان، يسمحون لأطفالهم باللعب العنيف داخل الفضاءات العمومية، يكسرون المقاعد وسلال المهملات، في تجلٍّ صارخ لغياب الحس المدني.
ما يحدث في السعيدية ليس فقط انحرافًا في التدبير المحلي، بل تدمير بطيء لمقومات مدينة يمكن أن تكون رافعة سياحية حقيقية للجهة الشرقية، فبدلاً من الاستثمار في تطوير بنيتها التحتية وتثمين مؤهلاتها الطبيعية والثقافية، يتم التفريط فيها لصالح فئة انتهازية لا ترى في الصيف إلا موسمًا للربح السريع، ولو على حساب جمالية المدينة وصحة ساكنتها وزوارها.
الآن، وقد وصلت الأمور إلى هذا الحد من التردي، فإن الوقت قد حان لتدخل حاسم من الجهات الوصية، وفي مقدمتها وزارة الداخلية، لفرض النظام واستعادة هيبة المدينة، فالسعيدية ليست ملكًا للوبيات، ولا يجب أن تتحول إلى حظيرة فوضى موسمية تُهدر فيها فرص التنمية، وتُستباح فيها كرامة المكان والإنسان.
إنقاذ السعيدية ليس مهمة مستحيلة، لكنه يتطلب إرادة حقيقية، وقرارات شجاعة تضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة. قبل أن تُفقد المدينة آخر ما تبقى من بريقها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد