هبة زووم – إلياس الراشدي
في زمنٍ صار فيه الصدق نادرًا كقطعة ذهب غير مزيفة، ظهرت فئة جديدة من “الفاعلين” في المشهد الطنجاوي، لا تزرع ولا تحصد، لكنها تتقن فنّ المتاجرة بالهموم الجماعية.
فئة تتغذى على أنين الناس، وتحول معاناة البسطاء إلى رصيد رمزي تستثمره عند الحاجة: في موسم انتخابي، أو موجة غضب، أو حتى في منشور فايسبوكي يعيد إليهم ما فقدوه من تفاعلٍ ومتابعين.
نحن في طنجة نعرفهم جيدًا — واحدًا واحدًا — بالأسماء والوجوه، وعدد المرات التي غيّروا فيها جلودهم السياسية كما يغيّر الثعبان قشرته. كانوا بالأمس مع السلطة، واليوم يرفعون راية “المعارضة” لأن كعكة الولاء لم تصبهم بحصتهم.
هم تجار الفرص الصغيرة الذين يقيمون طقوس “النضال” فقط حين تضعف السلطة، ثم يعودون إلى حضنها حين توزّع امتيازات الصمت والتطبيل، هؤلاء لا يدافعون عن المدينة ولا عن كرامة أهلها، بل عن صفقاتهم المؤجلة.
على مسرح الوطن المكسور، يتقمصون أدوار المناضلين، يلبسون قناع الهمّ العام، لكن في الكواليس يتقاضون أتعابهم من كل الجهات. ومن يدفع أكثر، يحظى بولاء أطول.
أما الشعب، فمكانه في خلفية المشهد، الأم التي تبحث عن قوت أولادها، الشيخ الذي يبيع المناديل عند زاوية السوق، الشاب الذي غرق في عرض البحر أو احترق بحثًا عن تأشيرة — هؤلاء لا صوت لهم في مزاد السياسة، لأنهم لا يُدرّون أرباحًا، ولا يصنعون شهرة، ولا يُحسبون في دفاتر “الصفقات العمومية للخطاب السياسي”.
وفي خضم هذا العبث، تُباع طنجة — رمز التاريخ والتنوع والجمال — في المزاد العلني، قطعة قطعة، بين من يملك القرار ومن يملك الخطاب.
فالوالي التازي الذي يغضّ الطرف عن نهب المدينة، والذي تحول إلى “شاهد ما شفش حاجة”، ليس بأقل ذنبًا من “المعارض” الذي يزايد على وجعها، كلاهما شريك في الجريمة، وإن اختلفت الأدوار.
طنجة اليوم لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى ضمير حيّ يرفض أن يرى المدينة تُنهب مرتين: مرة باسم السلطة، ومرة باسم النضال.
تعليقات الزوار