هبة زووم – أحمد الفيلالي
أثارت تصريحات وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي سعد برادة الأخيرة، حول إلغاء الاتفاقيات السابقة الخاصة بتقليص ساعات العمل، وعلى رأسها اتفاق 26 دجنبر 2023، ردود فعل غاضبة داخل الأوساط التربوية والنقابية، التي رأت في خرجته الأخيرة عودة إلى منطق الانفراد بالقرار وضربًا لثقافة الحوار الاجتماعي في مقتل.
ففي الوقت الذي كان فيه الأساتذة والهيئات التعليمية ينتظرون تنفيذ مضامين الاتفاق الذي أُبرم بعد جولات حوار شاقة بين الوزارة والنقابات الأكثر تمثيلية، خرج الوزير بشكل مفاجئ ليعلن، في لقاء عمومي، أن تلك الاتفاقيات أصبحت “من الماضي”، وأن الوزارة بصدد “إعادة النظر في كل الترتيبات السابقة”، دون استشارة أي طرف أو تقديم مبررات تربوية أو تنظيمية واضحة.
كيكيش: الوزير يمارس “الببغاوية السياسية” وينقل ما يُملى عليه
في هذا السياق، وجّه أحمد كيكيش، المدير الإقليمي السابق، انتقادات لاذعة للوزير سعد برادة، معتبرًا أن تصريحاته الأخيرة تكشف سطحية المقاربة الحكومية وضعف فهمها للمنظومة التربوية.
وقال كيكيش في تصريح لموقع هبة زووم: “السيد الوزير يمارس الببغاوية السياسية في لقاءاته، حيث لا ينقل للرأي العام إلا ما يسمعه من المفتش العام المغلف بالكاتب العام المكلف، وهذا الأخير لا يمتلك أي خبرة في علم التربية، ولم يسبق له أن شارك في دراسة واحدة حول زمن التعلمات”.
وأضاف كيكيش أن الوزير “يتحدث في قضايا دقيقة دون سند علمي أو معرفي، في حين أن مسألة الزمن المدرسي تخضع لاختصاص لجنة وطنية متخصصة في تجديد المناهج والبرامج، تستند في قراراتها إلى تقارير المجالس التربوية وآراء الخبراء والنقابات التعليمية الجادة”.
قبل أن يتساءل مستنكراً: “كيف يمكن لوزير مسؤول أن يعلن إلغاء اتفاق وطني تم توقيعه رسمياً دون حتى إشعار مسبق أو نقاش مؤسسي؟ هذه ليست إصلاحات بل ارتجال مقنّع”.
زمن التعلمات ليس لعبة سياسية
ويرى المتحدث أن معالجة قضية زمن التدريس لا يمكن أن تتم بقرارات فوقية أو تصريحات إعلامية عابرة، لأنها قضية تتقاطع فيها الجوانب البيداغوجية والنفسية والاجتماعية، وتؤثر مباشرة على جودة التعلمات.
وقال كيكيش: “الدول التي نجحت في تطوير أنظمتها التعليمية – مثل كندا وسنغافورة – لم تفعل ذلك بالشعارات، بل عبر دراسات معمقة في علم النفس التربوي، شارك فيها أساتذة ومفتشون وخبراء، وخلصت إلى أن الزمن المثالي للتعلمات لا يتجاوز 20 ساعة أسبوعياً، وهو ما يُراعي التوازن النفسي والعقلي للتلميذ والأستاذ معاً”.
وانتقد بشدة ما وصفه بـ”الجهل الحكومي بطبيعة المدرسة المغربية ومكوناتها”، معتبراً أن بوصلة الإصلاح الحالية فقدت الاتجاه، وأن المسؤولين في الوزارة “يتعاملون مع الزمن المدرسي كأنه جدول إداري لا كمنظومة تربوية متكاملة”.
غياب المقاربة التشاركية وتراجع الثقة
تصريحات برادة – بحسب مراقبين – تعيد إلى الواجهة أزمة الثقة بين الوزارة والفاعلين التربويين، خصوصاً بعد أن تم التراجع بشكل مفاجئ عن التزامات سابقة صادق عليها الوزير السابق، وجرى ترويجها كلبنة أساسية في إصلاح وضعية الأساتذة وتحسين جودة الحياة المدرسية.
ويرى محللون تربويون أن هذه القرارات الانفرادية تنسف المسار التشاركي الذي تبنته الدولة منذ 2015 في إطار تنزيل الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2015–2030)، وأنها تُعيد إنتاج نفس الأعطاب التي جعلت من المدرسة العمومية حقلاً للتجارب السياسية أكثر من كونها فضاءً لبناء الإنسان المواطن.
إصلاح غائب ورؤية مرتبكة
وتشير مصادر نقابية إلى أن الوزير برادة يسير في اتجاه تفريغ الاتفاقيات من مضمونها، والعودة إلى مقاربة “الأوامر الفوقية”، في وقتٍ يحتاج فيه القطاع إلى الاستقرار والتعبئة الشاملة لإنقاذ الموسم الدراسي من مزيد من التوترات.
كما تتحدث ذات المصادر عن وجود ارتباك واضح داخل دوائر القرار بالوزارة، نتيجة غياب تنسيق بين الإدارة المركزية والمفتشيات العامة، ما يجعل السياسات التعليمية تُعلن في الإعلام قبل أن تُناقش في المؤسسات الرسمية.
ويحذر متتبعون من أن استمرار هذه “القرارات الارتجالية” قد يؤدي إلى احتقان جديد في صفوف نساء ورجال التعليم، ويعيد العلاقة بين الوزارة والنقابات إلى مربع الصفر، خاصة في ظل ما يصفه المهنيون بـ”انعدام الرؤية الواضحة” و”تغليب الاعتبارات السياسية على المصلحة التربوية”.
وفي ختام تصريحه، قال كيكيش بلهجة لا تخلو من السخرية: “بوصلة هؤلاء المسؤولين توجد خارج الريادة المعرفية في المجال، لأنهم ببساطة يتحدثون عن المدرسة دون أن يعيشوها”.
تعليقات الزوار