هبة زووم – الرباط
تحولت الندوة الصحفية التي عقدها عبد الله بوانو، رئيس فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، من مجرد لقاء لتقديم موقف حزبه بشأن التعديلات الانتخابية إلى منصة سياسية صادمة هزّت واجهة الحكومة، بعدما وجه اتهامات ثقيلة لحكومة عزيز أخنوش، متهماً إياها بـ”التطبيع مع الفساد” وإفراغ المؤسسات من قواعد النزاهة والشفافية.
بووانو لم يكتفِ هذه المرة بالتحذير أو التلميح، بل انتقل إلى المواجهة المباشرة، وبلغة حادة اعتبر أن ما يجري “ليس اجتهاداً في النقد”، بل واقع موثق تؤكده قرارات حكومية “تتراجع خطوة بعد أخرى عن التشريعات التي كان يُعوّل عليها لمحاربة الريع وحماية المال العام”.
ووفق تعبيره، فإن الحكومة “سحبت القوانين التي كانت ستمنع الإثراء غير المشروع، وفتحت الباب على مصراعيه أمام الفوضى في الملك البحري، واستغلال المقالع، وتمييع صفقات استراتيجية كتحلية المياه والاستثمار”.
لكن التصريح الأكثر قسوة كان حين قال إن الوزراء “راضعين من بزولة وحدة”، في إشارة إلى أن رئيس الحكومة، حسب وصفه، “بصم على سلوك سياسي يتغذى منه باقي الوزراء”، بما يعني أن تضارب المصالح لم يعد استثناءً داخل الحكومة، بل أصبح – وفق قراءة بوانو – نمط اشتغال مؤسسياً.
الشرارة الأساسية التي فجّرت التصعيد كانت اتهامات بوانو المتعلقة بوزارة الصحة. ففي سابقة تُعيد إلى الواجهة سؤال “من يحكم؟”، كشف بوانو أن شركة أدوية يديرها شقيق وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، حصلت على صفقات ضخمة أطلقتها وزارة الصحة التي يشرف عليها زميله في الحزب والحكومة أمين التهراوي.
الأرقام التي طرحها ليست هامشية: 32 مليون درهم مع الوزارة، ومبالغ تتراوح بين 7 و50 مليون درهم مع المراكز الاستشفائية.
بالنسبة لبوانو، هذه الأرقام ليست مجرد معاملات تجارية مشروعة، بل مؤشر على “تزاوج غير صحي” بين السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية، أخطر من أي تضارب مصالح شهدته الحكومات السابقة.
ومن زاوية تحليلية، لا يمكن فصل هذا السجال عن المناخ السياسي العام في المغرب، حيث يتصاعد الخطاب المنتقد لهيمنة رجال الأعمال على القرار العمومي، وتنامي تناقضات بين الشعارات الحكومية حول محاربة الفساد وبين ممارسات ميدانية تُعطي الانطباع العكسي.
فبين سحب قوانين أساسية، وتمرير صفقات استراتيجية في غياب نقاش عمومي، وانفراد تكتلات اقتصادية بمفاصل القرار، يبدو أن الحكومة – وفق منتقديها – تتجه إلى تكريس هندسة سياسية واقتصادية تعطي الأولوية للّوبيات والمصالح الضيقة، على حساب قواعد الحكامة الرشيدة.
إن أخطر ما جاء في كلام بوانو ليس الاتهام ذاته، بل قوله إنه “لن يتوقف عند أربعة وزراء”، ما يعني أن الأمر ليس حادثاً معزولاً، بل – حسب ما يلمح إليه – منظومة متشابكة من العلاقات التي تختلط فيها المصالح السياسية والتجارية والعائلية.
الجدل الذي أثارته تصريحات بوانو يعيد طرح سؤال أكبر: هل تعيش المغرب أزمة تضارب مصالح أم أزمة حكم؟
فحين تُسحب قوانين الإثراء غير المشروع، وتُترك أملاك عمومية لاستغلال غير شفاف، وتُبرم صفقات استراتيجية في غياب آليات الرقابة القوية، وتستفيد شركات عائلية من صفقات عمومية كبرى، فإن الانتقادات لم تعد مجرد موقف حزبي، بل ناقوس خطر حول تآكل الثقة في المؤسسات.
ولعل أخطر ما في هذا الجدل هو انسحاب الحكومة المتكرر من النقاش العمومي، والاكتفاء بإدارة الملفات داخل دوائر ضيقة، في وقت ينتظر فيه الرأي العام إشارات قوية لإعادة الثقة في منظومة محاربة الفساد.
سواء اتفق المرء أو اختلف مع العدالة والتنمية، فإن تصريحات بووانو رفعت الستار عن مشهد سياسي مقلق، يطرح أسئلة محرجة حول الحدود الفاصلة بين السلطة والثروة داخل الدولة.
وإذا لم تُعالج هذه الملفات بشفافية ومسؤولية، فإن تضارب المصالح لن يظل مجرد اتهام سياسي، بل قد يتحول إلى أزمة ثقة هيكلية تضرب في العمق صورة الدولة وشرعية المؤسسات.
تعليقات الزوار