مرصد حقوقي يحذر من إنهاك القدرة الشرائية ويدعو إلى تسقيف أرباح شركات المحروقات

هبة زووم – الرباط
لم يعد الحديث عن أسعار المحروقات في المغرب مجرد معادلة اقتصادية تخضع لقوانين العرض والطلب، بل تحول إلى مؤشر حيوي يقيس نبض الكرامة المعيشية للمواطن.
وفي ظل موجة الغلاء المتواصلة التي تجتاح محطات الوقود، أطلق المرصد المغربي لحماية المستهلك صرخة مدوية، لم تكن مجرد “بيان قلق”، بل كانت إعلان حالة طوارئ اقتصادية، محملاً الحكومة ومؤسسات الرقابة وشركات التوزيع مسؤولية نزيف القدرة الشرائية الذي يستنزف جيوب المغاربة، خاصة الفئات الهشة والمتوسطة، في وقت تبدو فيه آليات الحماية الاجتماعية وكأنها تراقب الحريق من بعيد دون ماء لإطفائه.
فبينما ترتفع المؤشرات الحمراء لأسعار المشتقات النفطية، وتتناسل تبعاتها كدومينو الخطر على أسعار النقل والإنتاج والسلع الأساسية، يطرح المرصد سؤالاً وجودياً يهز أركان السوق الحرة: إلى متى يُسمح لهوامش الربح أن تكون مقدسة، بينما قدرة المواطن على العيش تصبح رهينة للتقلبات؟ وأي شفافية هذه التي تُبقي تركيبة الأسعار صندوقاً أسود مغلقاً في وجه الرأي العام؟
وفي هذا السياق، سجل المرصد المغربي لحماية المستهلك، في بلاغ مفصل، استمرار ارتفاع أسعار المحروقات رغم تقلبات السوق الدولية، مشيراً بإصبع الاتهام إلى غياب شفافية كافية في تحديد الأسعار وهوامش الربح، هذه العبارة، البسيطة في ظاهرها، تحمل في طياتها اتهاما ثقيلاً لـ”عتمة التدبير” التي تحيط بملف استراتيجي يمس كل بيت مغربي.
ففي اقتصاد يُفترض أنه يخضع للمساءلة، يبقى السؤال المعلق: من يحدد السعر النهائي الذي يدفعه المواطن في المضخة؟ هل هو تكلفة الاستيراد الحقيقية؟ أم هو هامش ربح يتضخم في أوقات الأزمات؟ أم هو تواطؤ صامت بين الفاعلين في السوق؟ إن غياب نشر تقارير دورية مفصلة حول تركيبة الأسعار، كما يطالب المرصد، ليس مجرد نقص إجرائي، بل هو إهدار لحق المواطن في المعرفة، مما يفتح الباب واسعاً أمام الشكوك حول أرباح غير عادية تتحقق على حساب لقمة العيش.
لم يكتفِ المرصد بتشخيص الداء، بل وصف الجراحة اللازمة لإنقاذ المريض. فدعا إلى سن إطار قانوني واضح لتحديد سقف أرباح شركات المحروقات بشكل مؤقت في حالات الأزمات، وإلى إقرار ضريبة استثنائية على الأرباح غير العادية، مطالب قد تبدو “ثورية” في قاموس الليبرالية الاقتصادية، لكنها في واقع الأزمات الاجتماعية تتحول إلى ضرورة أخلاقية وواجب وطني.
فحين تحقق الشركات أرباحاً قياسية بينما تغرق الأسر في الديون، فإن العدالة الاقتصادية تستدعي تدخلاً حاسماً، فمراجعة نظام تحرير أسعار المحروقات، كما يقترح المرصد، لا تعني العودة إلى الدعم المباشر المشوه، بل تعني إعادة التوازن بين حرية المبادرة وحق المجتمع في الحماية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تتجرأ الحكومة على فرض ضريبة الثروة على أرباح الطاقة، أم ستستمر في حماية قدسية الربح على حساب قدسية الخبز؟
وأكد المرصد على ضرورة تفعيل دور مجلس المنافسة بشكل أكثر صرامة وشفافية، لتعزيز آليات مراقبة الأسواق لمحاربة أي تواطؤ أو احتكار، وهنا، تنتقل البوصلة من الشركات إلى الرقابة، فوجود هيئة رقابية دون أسنان تعض بها على المخالفين، هو كوجود شرطي دون عصا في وجه قطاع الطرق.
فضعف تفعيل آليات المنافسة والرقابة، كما سجله المرصد، هو الثغرة التي يتسلل منها الاحتكار المقنع، فبدون عقوبات رادعة وبدون استقلالية فعلية في التحقيقات، يبقى مجلس المنافسة مجرد ديكور مؤسسي، فالمواطن لا يريد تقارير إدارية، بل يريد قرارات زجرية تردع كل من يعبث بلقمة عيشه تحت غطاء قانون السوق.
وشدد المرصد على أهمية اتخاذ تدابير اجتماعية موازية، تتجاوز مجرد الشكوى إلى الفعل المباشر: توجيه دعم للفئات الهشة، دعم قطاع النقل العمومي، وتشجيع البدائل الطاقية، هذه النقطة بالذات هي جوهر العقد الاجتماعي الجديد، فالدولة ليست مجرد حارس للسوق، بل هي حامٍ للكرامة.
إن دعم النقل العمومي ليس رفاهية، بل هو شبكة أمان تخفف ضغط المحروقات على الأسر، وتشجيع البدائل الطاقية ليس حلمًا مستقبليًا، بل هو خطة نجاة من تقلبات النفط العالمية، حيث أن الاستمرار في الاعتماد الكلي على الوقود الأحفوري دون حماية اجتماعية، هو مقامرة برأس مال المواطن، والرهان خاسر لا محالة.
وختم المرصد دعوته بمناشدة جميع المتدخلين، من حكومة ومؤسسات وهيئات رقابية وفاعلين اقتصاديين، إلى تحمل مسؤولياتهم كاملة، والعمل بشكل منسق ومستعجل. نداء يبدو وكأنه إنذار أخير قبل انفجار الغليان الاجتماعي، فـحماية القدرة الشرائية ليست منة تمنح، بل هي حق دستوري، وتحقيق العدالة الاقتصادية ليس شعاراً انتخابياً، بل هو أساس الاستقرار، وتعزيز الثقة في السوق لا يأتي بالصمت عن التجاوزات، بل يأتي بالجراحة الشفافة.
ما يعيشه المغرب مع ملف المحروقات ليس أزمة عابرة، بل هو امتحان وجودي لنموذج التنمية ولعلاقة الدولة بالمواطن، فإما أن تتحول توصيات المرصد من حبر على ورق إلى قانون ينفذ، مع إرادة سياسية تكسر هيمنة لوبيات الربح، وإما أن نستمر في ثقافة التفرج التي ستؤدي حتماً إلى تآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد