عبد السلام نورينو – الحسيمة
تعيش مدينة الحسيمة، التي طالما قُدّمت كـ“لؤلؤة المتوسط”، واحدة من أقسى محطاتها الاقتصادية والاجتماعية في السنوات الأخيرة. ركود تجاري خانق، خدمات أساسية مترنحة، واستياء يتراكم بصمت حتى بلغ حدّ الانفجار.
هذا ما عكسته لهجة بيان مهني شديد اللهجة، أصدره تكتل واسع يضم تجارًا ومهنيين وخدماتيين، واضعًا الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية لإنقاذ المدينة من سكتة قلبية وشيكة.
فواتير الماء والكهرباء: شرارة الغضب ووجه الغلاء القاسي
لم تعد فواتير الماء والكهرباء مجرد أرقام ثقيلة في نهاية الشهر، بل تحولت إلى قشة قصمت ظهر النشاط الاقتصادي. زيادات وُصفت داخل البيان بـ“غير المبررة” و“الجائرة”، تُحمَّل مسؤوليتها المباشرة للشركة الجهوية متعددة الخدمات التي تسلمت التدبير مؤخرًا، دون أن ترافق ذلك رؤية واضحة أو إجراءات حماية للمقاولات الهشة.
النتيجة؟ محلات تُغلق، أنشطة تُقلّص، ومقاولات صغرى ومتوسطة تُدفع قسرًا نحو حافة الإفلاس، في سياق يتآكل فيه الطلب بفعل تراجع القدرة الشرائية. غلاء الخدمات الأساسية هنا لا يُدار كسياسة عمومية، بل يُفرض كأمر واقع يُجهز على ما تبقى من نفس اقتصادي في المدينة.
الصحة بالحسيمة: مستشفى محمد الخامس قنبلة موقوتة
بعيدًا عن السوق والأرقام، يضرب البيان في الصميم حين يصف الوضع الصحي بـالكارثي. مستشفى محمد الخامس، المفترض أن يكون صمام أمان الإقليم، يعيش نزيفًا حادًا في الأطر الطبية والتمريضية، ونقصًا فادحًا في التجهيزات. “شلل طبي” يُفاقم معاناة الفئات الهشة ويحوّل العلاج إلى رحلة قاسية خارج الإقليم لمن استطاع.
هنا، وُضعت جماعة الحسيمة في قفص الاتهام: أين الترافع؟ أين الضغط المؤسساتي؟ وأين الدفاع عن حق الساكنة في عرض صحي يحترم الكرامة بدل الاكتفاء بتدبير يومي للأعطاب؟
بنية تحتية مُعطَّلة ورؤية تنموية غائبة
البيان لم يُجامل في تشخيصه الهيكلي: هشاشة في البنية الإنتاجية، غياب للجاذبية الاستثمارية، وفوضى في تدبير الفضاء العام تسيء لجمالية المدينة وتخنق النشاط المنظم.
مدينة بإمكانات طبيعية وسياحية كبيرة تُدار بمنطق الترقيع، دون شرطة إدارية فعالة، ودون تخطيط يوازن بين النظام العام والاقتصاد المحلي.
جماعة الحسيمة في قلب العاصفة
الرسالة السياسية للبيان كانت واضحة: المسؤولية محددة. فجماعة الحسيمة، باعتبارها فاعلًا في الشركة الجهوية متعددة الخدمات ومدبرًا للشأن المحلي، مطالَبة اليوم لا غدًا بفتح تحقيق شفاف في اختلالات فواتير الاستهلاك؛ الترافع العاجل لتأهيل القطاع الصحي وتوفير الموارد البشرية؛ مع تبني رؤية تنموية مندمجة تتجاوز الحلول الترقيعية نحو مشاريع مهيكلة تخلق الشغل وتعيد الثقة.
وفي الأخير، يمكن القول على أن هذا البيان ليس لائحة مطالب تقنية، بل إنذار أخير باسم “الحسيمة العميقة”، فبين مطرقة الركود وسندان تدهور الخدمات، يُطالَب المواطن بدفع فاتورة أزمات لم يصنعها.
والسؤال الحارق اليوم: هل ستتحرك السلطات المحلية والإقليمية لالتقاط هذا الناقوس قبل الانهيار؟ أم سيستمر منطق الآذان الصماء حتى تتعطل المدينة تمامًا؟
تعليقات الزوار