من فاس إلى مراكش.. هكذا أصبحت المسافة الجغرافية عائقاً أمام حق ساكنة درعة تافيلالت في التقاضي؟

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
بينما تُدشن وزارة العدل محاكم متخصصة في جهات معينة من المملكة، تظل جهة درعة تافيلالت تنتظر دورها في طابور الإصلاح القضائي، مما يحول الحق الدستوري في الولوج للعدالة إلى رحلة شاقة تقاس بالكيلومترات وتكاليف باهظة.
فبينما يحتفل سكان بني ملال اليوم بوصول القضاء التجاري والإداري إلى عتبتهم، يجد مواطنو الرشيدية وميدلت أنفسهم مضطرين لقطع أكثر من 300 كيلومتر نحو فاس، بينما يضطر سكان ورززات وتنغير وزاكورة للسفر نحو مراكش على مسافات تتجاوز 500 كيلومتر في بعض الحالات، للوصول إلى نفس المرفق القضائي.
هذه الفجوة المجالية في توزيع المحاكم المتخصصة لا تعكس فقط اختلالاً في سياسة التجهيز القضائي، بل تطرح سؤالاً وجودياً حول مبدأ المساواة في الولوج للعدالة الذي يكرسه الدستور المغربي، فحين تتحول المسافة الجغرافية إلى عائق أمام ممارسة الحق في التقاضي، فإننا لا نتحدث عن “تفاوت في الخدمات” بل عن تفاوت في الحقوق الأساسية.
تضم جهة درعة تافيلالت خمس أقاليم تمتد على مساحة شاسعة تفوق 88,836 كلم²، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 1.6 مليون نسمة، وفق إحصائيات رسمية، ورغم هذا الثقل الديمغرافي والجغرافي، لا تتوفر الجهة على أي محكمة ابتدائية تجارية أو إدارية، مما يفرض على المواطنين والفاعلين الاقتصاديين التنقل خارج جهتهم لتدبير منازعاتهم.
وتعكس الأرقام الرسمية واقعاً يومياً يُثقل كاهل المواطن البسيط والمقاول الصغير، الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة مستحيلة: إما التخلي عن حقهم في التقاضي بسبب التكلفة، أو المغامرة في رحلة قضائية قد تُفقد أكثر مما تُربح.
فالرشيدية تبعد عن فاس بأكثر من 350 كلم، وميدلت بـ200 كلم، بينما تصل مسافة زاكورة إلى مراكش إلى 400 كلم، وهي أرقام لا تأخذ في الاعتبار وعورة الطرق وتكاليف النقل المرتفعة في المناطق الجبلية والصحراوية.
لنتخيل معاً وضع مقاول صغير من زاكورة يريد الطعن في قرار إداري أو تسوية نزاع تجاري: عليه أولاً حجز موعد في محكمة مراكش، مما قد يتطلب انتظاراً لأسابيع، ثم تحمل تكلفة السفر ذهاباً وإياباً التي قد تعادل أرباح أسبوع كامل من نشاطه، ناهيك عن دفع أتعاب محامٍ تزداد قيمتها حين يتطلب الملف تنقلاً خارج الإقليم، وفقدان يوم أو يومين من العمل مما يُعطل دخله ويدخله في دوامة مالية.
وفي حال خسر القضية، لا يقتصر الضرر على الحكم القضائي، بل يمتد ليشمل كل التكاليف التي تحملها في الرحلة، هذه المعادلة القاسية تُنتج تأثيراً رادعاً: كثير من المواطنين يتخلون عن حقوقهم ليس لأنهم مخطئون، بل لأن الوصول للعدالة أصبح مكلفاً جداً.
ينص الفصل 118 من الدستور المغربي بوضوح على أن “لكل شخص الحق في اللجوء إلى القضاء”، كما يؤكد الفصل 6 أن “الجميع، أشخاصاً ذاتيين واعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمام القانون”.
فإذا كانت هذه النصوص الدستورية تعني شيئاً، فهي تعني بالضرورة أن الحق في الولوج للعدالة يجب أن يكون متاحاً لكل مواطن، بغض النظر عن مكان إقامته الجغرافي.
فلا يُعقل أن يكون الدستور قد كرس المساواة على الورق، بينما الواقع يُكرس تفاوتاً مجالياً يجعل المواطن في الرشيدية أقل حظاً من مواطن في بني ملال في ممارسة حقه في التقاضي.
قد تُجيب وزارة العدل بأن إحداث المحاكم المتخصصة يخضع لـ”دراسات تقنية” و”إمكانيات مالية” و”مراحل تدريجية” في التنفيذ، وهذه اعتبارات مقبولة من حيث المبدأ، لكن عندما تمتد “المراحل التدريجية” لسنوات طويلة، بينما تتفاقم معاناة المواطنين يومياً، تتحول الحجة إلى ذريعة تُبرر التأجيل.
فجهة درعة تافيلالت ليست جهة “ثانوية” أو “قليلة الأهمية”، إنها جهة استراتيجية بمؤهلاتها الفلاحية والسياحية والتعدينية، وهذه الأنشطة الاقتصادية تولد بالضرورة منازعات تجارية وإدارية تستوجب قضاءً متخصصاً قريباً.
يطرح غياب خارطة طريق معلنة لإحداث المحاكم المتخصصة إشكالية كبرى حول معايير تحديد الأولويات، هل تعتمد الوزارة على الكثافة السكانية؟ أم على النشاط الاقتصادي؟ أم على البعد عن أقرب محكمة متخصصة؟
وإذا كانت هذه المعايير موجودة، فلماذا لا تُعلن بشكل شفاف؟ وإذا لم تكن موجودة، فبناءً على ماذا تُتخذ قرارات التوزيع؟ هذا الغموض يُغذي شعوراً بالتهميش لدى سكان الجهة، ويُضعف الثقة في عدالة عملية التخطيط القضائي.
في النهاية، لم يعد سكان درعة تافيلالت يقبلون بأن يكونوا “الانتظار الدائم” في مسلسل الإصلاح القضائي، فالحق في التقاضي ليس منحة تُوزع حسب الحظوة المجالية، بل هو حق دستوري أصيل لا يسقط بسبب بعد المسافة.
فإذا كانت وزارة العدل جادة في شعار “القرب القضائي” و”العدالة للجميع”، فلا بد من خطوات ملموسة: إعلان خارطة طريق واضحة لإحداث محاكم تجارية وإدارية بجهة درعة تافيلالت، بآجال زمنية ملزمة وشفافة، واعتماد معايير موضوعية ومعلنة لتوزيع المرافق القضائية، وتفعيل القضاء المتنقل كحل استعجالي لتخفيف معاناة السكان ريثما تُحدث المحاكم الدائمة، وإشراك المنتخبين المحليين والمجتمع المدني في تحديد الأولويات القضائية المجالية.
المواطن في الرشيدية، تنغير، ميدلت، زاكورة وورزازات لا يطلب امتيازات، يطلب فقط أن يكون حقه في التقاضي قريباً من بيته، كما هو الحال لمواطن بني ملال، فإما إرادة سياسية حقيقية لقطع مسلسل التهميش القضائي، وإما استمرار في منطق “الجهوية الانتقائية” الذي يُعمق الفوارق ويُضعف ثقة المواطنين في مؤسسة القضاء، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لتفاوت في الحق في العدالة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد