هبة زووم – الرباط
في زمن تُصبح فيه التوصيات عملة رخيصة والتقارير وثائق تُكتب لتُقرأ ثم تُنسى، أصدر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي رأيه الجديد حول “نحو نقلٍ قرويٍ دامجٍ، مستدامٍ وقادرٍ على الصمود”، مُقدّماً خريطة طريق طموحة تبدو للوهلة الأولى كحلول سحرية لأزمة مزمنة.
لكن وراء العبارات الرنانة والرؤى الاستراتيجية، يختفي سؤال وجودي مُحرج لا مفر منه: إذا كانت كل هذه التوصيات صحيحة وضرورية.. فلماذا لا نراها تُترجم إلى طرق مُزفتة وخدمات ملموسة منذ عقود؟ وأي مصداقية هذه لمؤسسة استشارية تُنتج أوراقاً ممتازة بينما يستمر المواطن القروي في انتظار طريق واحد يربطه بالعالم؟
فبينما يدعو المجلس إلى إعادة تموقع الدوار كوحدة ترابية مرجعية وتحديث البنيات التحتية وضمان تمويل مستدام، يجد القارئ نفسه أمام نموذج مكرر من التقارير التي لطالما زينت أدراج المكاتب دون أن تلمس حياة من كُتبت باسمهم.
مشهد لا يُثير فقط الاستغراب، بل يطرح سؤالاً قاسياً: إلى متى سيستمر إنتاج المعرفة دون إنتاج التغيير؟ وأي دور هذا للمجلس الاقتصادي إذا كانت توصياته تُقابل بالصمت الإداري والتأجيل المزمن؟
ويرتكز تصور المجلس على اعتبار الدوار وحدة ترابية أساسية في سياسات النقل القروي، مما يستدعي تكييف البنيات التحتية وخدمات النقل مع الخصوصيات المجالية لهذه الوحدات الصغيرة.
لكن هذا المبدأ الاستراتيجي يطرح إشكاليات وجودية: لماذا لا يُعلن المجلس عن خريطة زمنية إلزامية لتصنيف الدواوير المستهدفة، بدلاً من الاكتفاء بمبدأ عام؟ أين هي آليات التمويل المحددة التي ستُترجم هذه الرؤية إلى مشاريع ميدانية؟ كيف يمكن ضمان مشاركة حقيقية للساكنة في تصميم المشاريع بينما تُترك القرارات رهينة كواليس الرباط؟
فتحويل الرؤية المجالية من مبدأ نظري إلى واقع ملموس يتطلب أكثر من توصية في تقرير يتطلب إرادة سياسية وميزانية مُلتزمة ومساءلة فعلية، وهي عناصر غالباً ما تغيب في معادلة التوصيات المغربية.
وفي هذا السياق، دعا المجلس إلى تشجيع عرض مناسب من المركبات النفعية، مصممة ومصنّعة على المستوى الوطني، تراعي خصوصيات النقل المزدوج والإكراهات الجغرافية للمجالات القروية، كما اقترح مراجعة دفتر التحملات الخاص بالنقل المزدوج، مع إرساء آلية دعم مناسبة لتشجيع تنفيذه في الوسط القروي.
وهذا التوجه الصناعي يطرح أسئلة محرجة: أين هي الخطة الصناعية الوطنية لتصنيع المركبات النفعية؟ وأي شراكة استراتيجية ستُحقق هذا الحلم؟ ولماذا لا يُربط دعم النقل المزدوج بمعايير أداء واضحة بدلاً من الاكتفاء بآلية دعم عامة؟ وكيف يمكن ضمان جودة الخدمة بينما تُترك المراقبة رهينة تقديرات إدارية غير معلنة؟
فتحويل الطموح الصناعي من شعار في تقرير إلى مصنع على الأرض يتطلب أكثر من رغبة، ويتطلب استثماراً جريئاً ورؤية طويلة الأمد، وهي عناصر نادراً ما تجتمع في سياساتنا العمومية المتقطعة.
وأكد المجلس على ضرورة تحديث الشبكة الطرقية القروية، من خلال التصنيف التدريجي للطرق غير المصنفة، وربط المحاور القروية بالشبكة الإقليمية والجهوية.
لكن هذا المطلب البديهي يطرح سؤالاً قاسياً: إذا كان تصنيف الطرق ضرورة مُجمَعاً عليها، فلماذا لا تزال آلاف الكيلومترات من المسالك غير مصنفة بعد عقود من الاستقلال؟
فتحويل البنية التحتية من حق دستوري إلى ورقة تفاوض لا يُهدر فقط التنمية القروية، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة الترابية التي تُقدم تأجيل القرارات على حماية المواطنين.
وفي سياق متصل، شدد المجلس على أهمية ضمان أن تكون أنواع النقل المدرسي والصحي والمهني آمنة وفعالة في الوسط القروي، لكن وراء هذا المبدأ الإنساني، يختفي واقع مؤلم: لماذا لا تزال عشرات الدواوير بدون نقل مدرسي منتظم بينما يُعلن عن برامج طموحة؟ وأين هي سيارات الإسعاف المجهزة التي يفترض أن تضمن ولوجاً عادلاً للخدمات الصحية؟ وكيف يمكن حماية العاملات القرويات أثناء تنقلهن بينما تُترك وسائل النقل رهينة ارتجال غير آمن؟
فتحويل الحقوق الأساسية من مبادئ دستورية إلى توصيات استشارية لا يُهدر فقط كرامة المواطنين، بل يُعمّق شعورهم بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل الدولة من حامية للحقوق إلى مُنتجة للتقارير.
كما أوصى المجلس بتعزيز تمويل البنيات التحتية من خلال إرساء آلية مستدامة خاصة لهذا الغرض، وهنا يطرح السؤال بقوة: ما هي الآلية المستدامة المقترحة فعلياً؟ وأي مصادر تمويل جديدة سيتم تعبئتها في ظل ضغوط المالية العامة؟
هذا الغموض التمويلي يطرح إشكاليات جوهرية لماذا لا يُفصّل المجلس عن نموذج تمويل ملموس بدلاً من الاكتفاء بعبارة عامة؟ وأين هي دراسة الجدوى المالية التي تُثبت قابلية هذه الرؤية للتنفيذ؟ وكيف يمكن جذب الاستثمار الخاص بينما تبقى إطار الحوكمة غامضاً وغير جذاب؟
فتحويل التمويل من تحدي حقيقي إلى عبارة دعائية لا يُهدر فقط فرص التنمية، بل يُرسّخ ثقافة الوعود بلا ضمانات التي لطالما عانت منها السياسات العمومية الموجهة للعالم القروي.
فلم يعد مقبولاً أن تُترك توصيات المجلس الاقتصادي رهينة الأدراج الرسمية والصمت الحكومي، فما يحتاجه المواطنون القرويون والمهتمون بالشأن الترابي اليوم هو إلزام الحكومة بالإجابة الرسمية على توصيات المجلس في أجل أقصاه 3 أشهر، مع نشر الرد للرأي العام، اعتماد خطة عمل زمنية ملزمة لتفعيل التوصيات، مع تحديد مسؤوليات ومؤشرات أداء واضحة، تخصيص ميزانية طارئة للمشاريع ذات الأولوية القصوى، مع شفافية كاملة في صرفها، مع تمكين المجتمع المدني القروي من آليات رقابة ميدانية، لضمان أن صوت الساكنة لا يُدفن مع التقرير.
ما يعيشه المغرب اليوم مع ملف النقل القروي ليس تحدياً تقنياً عادياً، بل هو اختبار وجودي لمصداقية الدولة الاجتماعية وقدرة مؤسساتها على تجاوز عقلية الإنتاج الورقي لخدمة المصلحة العامة، فإما أن تتحول توصيات المجلس الاقتصادي من وثيقة استشارية إلى خطة إنقاذ ملزمة، مع إرادة سياسية حقيقية وموارد مالية مُلتزمة ومساءلة فعلية، وإما أن تستمر ثقافة التقارير التي تُحوّل المعرفة من أداة تغيير إلى ورشة شكليات وتُهدر ثقة المواطنين القرويين في قدرة الدولة على حماية حقوقهم.
تعليقات الزوار