هبة زووم – برشيد
لم تعد مشاهد الغرق التي تعيشها برشيد مع كل تساقطات مطرية حدثًا استثنائيًا، بل تحولت إلى “طقس سنوي” يكشف هشاشة بنية تحتية لم تصمد أمام أول اختبار حقيقي، مدينة حديثة في عمرانها، لكنها متقادمة في تدبيرها، تسقط في نفس الأخطاء، وتعيد إنتاج نفس الكارثة… دون أي مساءلة تُذكر.
مع أولى زخات المطر، تختنق الشوارع، وتتحول الأزقة إلى مجارٍ مفتوحة، وتتوقف عجلة الحياة بشكل شبه كامل، اختناق مروري خانق، أضرار مادية تطال الممتلكات، ومعاناة يومية تُثقل كاهل الساكنة… مشاهد لم تعد تثير الدهشة بقدر ما تعكس حالة من الاستسلام لواقع معطوب.
الأخطر من الكارثة نفسها، هو هذا التكرار المريب لنفس السيناريو، بنفس التفاصيل، وكأن المدينة محكومة بعطب مزمن لا أحد يريد إصلاحه.
سنوات من التحذيرات، ونداءات متكررة من المواطنين وفعاليات المجتمع المدني، لكن النتيجة واحدة: صمت رسمي، أو وعود موسمية تذوب مع أول شمس.
شبكات تصريف مياه الأمطار، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول، تحولت إلى نقطة ضعف قاتلة. بنية مهترئة، صيانة شبه غائبة، وانعدام رؤية استباقية تواكب التحولات المناخية، كلها عوامل تجعل من كل تساقط مطري اختبارًا تفشل فيه المدينة بشكل متكرر.
ما يجري في برشيد لم يعد مجرد خلل تقني، بل يعكس أزمة أعمق في الحكامة المحلية، حيث يُدار الملف بمنطق رد الفعل، لا بمنطق التخطيط. تُسجَّل التدخلات بعد وقوع الكارثة، وتُلتقط الصور، وتُقدَّم التبريرات… ثم يُطوى الملف إلى حين سقوط الأمطار من جديد.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: إلى متى ستظل برشيد رهينة هذا العبث؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الفشل المتكرر؟ وهل هناك إرادة حقيقية للقطع مع سياسة الترقيع، أم أن المدينة ستظل تغرق… مرة في مياه الأمطار، ومرة في مستنقع الوعود المؤجلة؟
إن ما تحتاجه برشيد اليوم ليس حلولًا ترقيعية، بل قرارات جريئة تُعيد بناء منظومة الصرف من أساسها، وتُخضع المسؤولين للمحاسبة الفعلية، وتؤسس لمرحلة جديدة قوامها التخطيط الاستباقي لا التدبير الارتجالي.
فإما أن تُنقذ المدينة نفسها من هذا الغرق المزمن، أو تستمر في الانحدار داخل دوامة تتكرر كل شتاء… حيث لا جديد سوى حجم الخسائر.
تعليقات الزوار