وليد المحفوظي – الرباط
يبدو أن ورش إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات، الذي قُدّم كأحد أبرز الإصلاحات الهيكلية في قطاع توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، بدأ يواجه أولى هزاته من الداخل، في ظل تصاعد مؤشرات الاحتقان داخل المديريات الإقليمية، بسبب ما تصفه أطر مهنية باختلالات عميقة في تدبير الموارد البشرية.
هذا الورش، الذي جاء في إطار تنزيل القانون التنظيمي المتعلق بإعادة هيكلة القطاع، كان يهدف إلى تجميع الجهود وتحسين جودة الخدمات وتعزيز الحكامة. غير أن بداياته كشفت عن مفارقة واضحة: إصلاح مؤسساتي كبير يقابله ارتباك في تدبير العنصر البشري، الذي يفترض أن يكون ركيزته الأساسية.
وفق معطيات متطابقة، فإن السياسات الأجرية المعتمدة داخل هذه الشركات خلقت تمايزاً واضحاً بين فئتين من المسؤولين، ما أفرز شعوراً بالغبن لدى عدد من الأطر، خاصة المنحدرين من المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
هذا التفاوت، الذي يتجاوز التعويضات ليشمل شروط العمل وآفاق التطور المهني، أصبح أحد أبرز مصادر التوتر، في غياب توضيحات رسمية أو إجراءات تصحيحية ملموسة.
ولا تقف الإشكالات عند الجانب المادي، بل تمتد إلى ما يعتبره المعنيون “تضييقاً على صلاحيات المسؤولين الإقليميين”، من خلال ممارسات رقابية مشددة تحد من استقلالية القرار، وتُحول مهام التدبير إلى مجرد تنفيذ لتوجيهات مركزية.
هذا الوضع، بحسب متتبعين، يُفرغ المسؤولية من مضمونها، ويؤثر بشكل مباشر على سرعة اتخاذ القرار ونجاعة التدخلات الميدانية.
في ظل هذا المناخ المشحون، بدأت بوادر تصعيد غير مسبوق، حيث يفكر عدد من المدراء الإقليميين في تقديم استقالاتهم أو التنحي عن مهامهم، في خطوة احتجاجية قد تُربك السير العادي لهذه المؤسسات الفتية.
وإذا ما تحققت هذه الخطوة، فإنها قد تُدخل الشركات في مرحلة عدم استقرار إداري، في وقت تحتاج فيه إلى أقصى درجات الانسجام لتثبيت نموذجها الجديد.
ما يحدث اليوم يضع ورش الشركات الجهوية متعددة الخدمات أمام اختبار حقيقي: فإما معالجة الاختلالات بشكل عاجل، عبر إقرار عدالة أجرية وتعزيز الثقة داخل المؤسسات، وإما ترك الأزمة تتفاقم، بما قد يقوض أهداف الإصلاح برمتها.
في ظل هذه المؤشرات، يظل السؤال الجوهري قائماً: هل تتدخل الجهات المعنية لإعادة التوازن داخل هذه الشركات، أم أن أزمة الموارد البشرية ستتحول إلى معول يهدم واحداً من أهم أوراش الإصلاح في قطاع حيوي؟
تعليقات الزوار