النواصر: 177 مليون سنتيم تفضح سنوات من “تسقيف” غير مفهوم بسوق بوسكورة

هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تعد صفقة كراء السوق الأسبوعي ببوسكورة، التابع ترابيا لإقليم النواصر، التي بلغت 177 مليون و40 ألف سنتيم، مجرد رقم قياسي في سجل الصفقات الجماعية، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لسنوات من التدبير الذي يطرح اليوم أسئلة محرجة حول منطق التسقيف، وحقيقة الأرقام، ومآل المال العام.
فحين يقفز ثمن كراء مرفق عمومي إلى هذا المستوى، يصبح من المشروع مساءلة المرحلة السابقة، وتحديد المسؤوليات بوضوح، خاصة وأن رئيس الجماعة عبد الكريم المالكي كان يشرف بشكل مباشر على تفويض هذا المرفق، من إعداد دفاتر التحملات، إلى تحديد الأثمنة الافتتاحية، وصولاً إلى توقيع العقود.
قبل سنوات فقط، تم تفويت نفس السوق بثمن لم يتجاوز 60 مليون سنتيم، وهو رقم يبدو اليوم أقرب إلى “تقدير سياسي” منه إلى تقييم اقتصادي حقيقي.
أما اليوم، فقد تجاوزت القيمة 177 مليون سنتيم، في ظل منافسة مفتوحة وإشراف أكثر صرامة، ما يطرح سؤالاً مباشراً: كيف تم تسقيف هذا المرفق الحيوي سابقاً بهذا الشكل الذي لا يعكس قيمته الحقيقية؟ وهل كانت هناك دراسات مالية دقيقة؟ أم أن الأمر يتعلق بتقديرات فضفاضة فتحت الباب أمام تبخيس مورد جماعي مهم؟
المفارقة الأكثر إثارة، أن الجماعة، حين تولت تدبير السوق بشكل مباشر سنة 2024، لم تحقق سوى 80 مليون سنتيم كمداخيل، لكن في المقابل، شركة خاصة مستعدة اليوم لدفع أكثر من ضعف هذا المبلغ.
هذا التناقض الصارخ لا يمكن تفسيره بسهولة، بل يفتح الباب أمام تساؤلات ثقيلة: أين كان الخلل؟ في آليات الاستخلاص؟ في المراقبة؟ أم في غياب إرادة حقيقية لتثمين هذا المورد؟
مع دخول عامل إقليم النواصر على خط التدبير، تغيرت المعادلة: تم رفع الثمن الافتتاحي إلى 150 مليون سنتيم، وفرض قواعد أكثر صرامة، وفتح المجال أمام منافسة فعلية.
والنتيجة كانت واضحة: السوق الذي كان يُقدَّر بعشرات الملايين، كشف عن قيمة حقيقية تتجاوز ذلك بكثير.. وهنا يصبح السؤال أكثر حدة: لماذا لم تظهر هذه القيمة خلال السنوات التي كان فيها القرار بيد نفس المسؤولين؟
صفقة 177 مليون سنتيم ليست مجرد نجاح مالي ظرفي، بل دليل رقمي على أن تدبيراً سابقاً لم يكن في مستوى الإمكانيات الحقيقية للمرفق، ومهما تعددت التبريرات، تبقى المسؤولية السياسية والإدارية قائمة، لأن من كان يوقع ويحدد ويقرر، يتحمل تبعات ما أفرزته قراراته.
اليوم، لم يعد النقاش حول رقم قياسي، بل حول سنوات من التسقيف الذي حجب القيمة الحقيقية، وحول سؤال أكبر: هل ما ضاع من مداخيل كان نتيجة سوء تقدير، أم نتيجة اختيارات تحتاج إلى مساءلة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد