القصر الكبير: دورة “الإجماع” تُمرَّر الملفات الكبرى بلا نقاش حقيقي وتضع السيمو في مرمى الانتقادات

هبة زووم – إلياس الراشدي
انعقدت الدورة العادية لشهر ماي لمجلس جماعة القصر الكبير في أجواء بدت هادئة على السطح، لكنها تطرح في العمق أسئلة مقلقة حول طبيعة التدبير المحلي وحدود النقاش الديمقراطي داخل المؤسسة المنتخبة.
فالمجلس، الذي ترأس أشغال جلسته الأولى رئيس الجماعة محمد السيمو، صادق بالإجماع على أغلب النقاط المدرجة، بما فيها ملفات ثقيلة ترتبط بالتدبير المفوض للنظافة، ونزع الملكية، والدعم الموجه للجمعيات.
هذا “الإجماع المريح” قد يبدو للبعض مؤشراً على الانسجام، لكنه في المقابل يثير علامات استفهام حول غياب النقاش الحقيقي داخل المجلس، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاعات حساسة تُثقل يومياً كاهل الساكنة، وعلى رأسها ملف النظافة، الذي ظل لسنوات مصدر شكاوى وانتقادات واسعة.
فالمصادقة على كناش التحملات الخاص بالتدبير المفوض لقطاع النظافة ليست مجرد نقطة تقنية عابرة، بل قرار يرتبط بشكل مباشر بجودة الخدمات المقدمة للمواطنين وبمآل المال العام.
غير أن ما يثير الانتباه هو مرور هذا الملف بالإجماع، دون بروز نقاش عمومي واضح حول شروط التدبير، وآليات المراقبة، وضمانات عدم تكرار اختلالات سابقة عرفتها مدن مغربية عديدة مع شركات التدبير المفوض.
الأمر نفسه ينسحب على ملفات كراء المحلات التجارية بأسواق المدينة، سواء بسوق المعسكر القديم أو سوق بوشويكة، حيث تمت المصادقة على تحديد أثمنة الكراء وسط غياب معطيات دقيقة للرأي العام حول معايير التقييم ومدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص والشفافية.
أما النقطة المتعلقة بتوزيع الدعم والمساعدات لفائدة الجمعيات، فهي الأخرى تظل من أكثر الملفات حساسية داخل الجماعات الترابية، بالنظر إلى ما يرافقها في كثير من الأحيان من اتهامات بالمحاباة واستغلال الدعم لأغراض انتخابية أو سياسية، ومع ذلك، مرّت النقطة دون أن يطفو إلى السطح أي نقاش معلن حول معايير الاستفادة أو آليات التتبع والمحاسبة.
وفي ملف نزع ملكية قطعة أرضية تابعة لشركة “نوميكا” من أجل تهيئة مدخل قنطرة وادي لوكوس، يبرز سؤال التوازن بين المصلحة العامة وحقوق الخواص، خاصة وأن مثل هذه الملفات غالباً ما تكون محط جدل قانوني واجتماعي، بالنظر إلى ما تثيره من حساسيات مرتبطة بالتعويضات والشفافية في التقييم.
المفارقة أن النقطتين الوحيدتين اللتين تم تأجيلهما تتعلقان بكراء محلين بالسوق المركزي، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول خلفيات هذا التأجيل، وهل يتعلق الأمر باعتبارات تقنية فعلية أم بوجود تباينات لم يتم الحسم فيها بعد داخل المجلس.
في العمق، تعكس هذه الدورة صورة متكررة داخل عدد من المجالس الجماعية بالمغرب، حيث تتحول الجلسات في كثير من الأحيان إلى فضاءات للمصادقة السريعة بدل النقاش السياسي الحقيقي.
فالديمقراطية المحلية لا تُقاس بعدد النقاط المصادق عليها بالإجماع، بل بمدى فتح الملفات للنقاش العمومي وربط القرارات بالمحاسبة والشفافية.
ومع استعداد المجلس لعقد الجلسة الثانية المخصصة للأسئلة الكتابية، يبقى الرهان الحقيقي هو قدرة المنتخبين على الانتقال من منطق التدبير الإداري البحت إلى منطق الرقابة والمساءلة، لأن الساكنة لا تنتظر فقط قرارات مصادقاً عليها، بل تنتظر نتائج ملموسة على أرض الواقع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد