“مؤسسات الريادة” تحت المجهر.. هل تحولت تقييمات “الدعم الممتد” إلى مجرد أرقام لتلميع الإصلاح؟

هبة زووم – محمد خطاري
في وقت ما تزال فيه المدرسة العمومية تعيش على وقع اختلالات عميقة تمس جودة التعلمات، والبنيات التحتية، والموارد البشرية، اختارت وزارة التربية الوطنية من جديد لغة “التقييمات” و”المؤشرات الرقمية” لمحاولة إقناع الرأي العام بأن ورش الإصلاح يسير في الاتجاه الصحيح.
فقد انطلقت، ما بين 11 و16 ماي 2026، عملية واسعة لتقييم المكتسبات الدراسية ضمن برنامج “الدعم الممتد” بمؤسسات الريادة بسلك التعليم الابتدائي، في خطوة تقدمها الوزارة باعتبارها جزءاً من تنزيل خارطة الطريق 2022-2026.
لكن خلف البلاغات الرسمية المنمقة، يطفو سؤال جوهري يطرحه المتتبعون للشأن التربوي: هل يتعلق الأمر فعلاً بإصلاح حقيقي لمنظومة التعليم، أم بمجرد سباق محموم لإنتاج الأرقام والتقارير من أجل تسويق صورة وردية عن “مؤسسات الريادة”؟
الوزارة تؤكد أن هذه العملية تهدف إلى قياس الأثر الفعلي لدروس الدعم الممتد، وتحيين معطيات التلاميذ عبر منظومة “مسار”، بما يسمح بإعادة تشكيل مجموعات الدعم وفق مستويات الأداء الجديدة.
غير أن هذا الخطاب التقني لا يخفي واقعاً أكثر تعقيداً داخل عدد كبير من المؤسسات التعليمية، حيث لا يزال آلاف التلاميذ يعانون من ضعف التعلمات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، وسط اكتظاظ خانق ونقص في الأطر التربوية وتفاوت صارخ بين المؤسسات والمجالات الترابية.
وإذا كانت الوزارة تتحدث عن “نماذج تقويمية موحدة” و”دقة النتائج”، فإن كثيراً من الفاعلين التربويين يعتبرون أن المشكل الحقيقي لا يكمن في غياب التقييم، بل في غياب شروط تعليمية سليمة تضمن أصلاً تعلمات ذات جودة.
فكيف يمكن الحديث عن “مؤسسات ريادة” في مناطق ما تزال تفتقر إلى الحد الأدنى من الوسائل البيداغوجية؟ وكيف يمكن الحديث عن “تكافؤ الفرص” بينما الفوارق الاجتماعية والمجالية تزداد اتساعاً سنة بعد أخرى؟
الأخطر من ذلك أن منطق “الدعم الممتد” بدأ يتحول، في نظر عدد من المتابعين، إلى اعتراف ضمني بفشل التعلمات الأساسية داخل القسم الدراسي العادي.
فإذا كان التلميذ يحتاج بشكل دائم إلى حصص دعم إضافية من أجل استيعاب الحد الأدنى من الدروس، فهذا يعني أن هناك خللاً بنيوياً أعمق من مجرد تعثرات ظرفية.

كما أن التركيز المفرط على التقييمات الرقمية وإدخال المعطيات إلى المنصات الإلكترونية يطرح مخاوف من أن تتحول المدرسة إلى فضاء لإنتاج المؤشرات بدل إنتاج المعرفة.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد الاختبارات المنجزة ولا بعدد المعطيات المدخلة إلى “مسار”، بل بقدرة المدرسة العمومية على تكوين تلميذ يمتلك الكفايات الأساسية ويثق في مستقبله داخل وطنه.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الوزارة وكأنها تسير بمنطق “تدبير الصورة” أكثر من تدبير الأزمة الحقيقية للتعليم، فخارطة الطريق التي قُدمت باعتبارها بوابة لإنقاذ المدرسة العمومية، تجد نفسها اليوم أمام امتحان المصداقية، خاصة في ظل تنامي فقدان الثقة لدى الأسر المغربية التي بات كثير منها يعتبر أن المدرسة العمومية لم تعد قادرة على ضمان الحد الأدنى من الجودة والاستقرار التربوي.
إن التعليم لا يمكن اختزاله في اختبارات موسمية أو تقييمات ظرفية، بل يحتاج إلى رؤية مجتمعية حقيقية تعيد الاعتبار للمدرسة وللمعلم وللمعرفة نفسها، بعيداً عن منطق التسويق السياسي والإحصائيات الباردة التي لا تعكس دائماً حقيقة ما يجري داخل الأقسام الدراسية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد